‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

تطور العلاقات الهندية - الباكستانية (3-3)

 فى 28 يونيو سنة 1972، اجتمع ذو الفقار على بوتو، الذى تولى رئاسة الوزراء فى باكستان بعد الإطاحة بحكم يحيى خان، مع أنديرا غاندى فى مدينة سيملا الهندية التى تقع عند سفح جبال الهمالايا (التى تقرر فيها تقسيم الهند سنة 1945) وفى 3 يوليو توصل الجانبان إلى ـ اتفاق سيملا الذى أصبح نقطة تحول جوهرية فى علاقات الهند مع باكستان وقد نص الإعلان على: استعادة باكستان لكل الأقاليم التى فقدتها فى حرب ديسمبر سنة 1971 باستثناء المناطق الواقعة على خط وقف إطلاق النار فى كشمير (مساحتها 8620 كم2)، وانسحاب القوات الهندية إلى مواقعها قبل الحرب فى السند وكوتشى والبنجاب لتستعيد باكستان أراضى تبلغ مساحتها 8220 كم2، وتستمر الهند فى احتلال المساحة الباقية التى تقع فى كشمير كذلك نص إعلان سيملا على أن تعيد باكستان إلى الهند الأراضى التى احتلتها فى قطاع البنجاب وصحراء راجستان ومساحتها 600 كم2 مع استئناف المعاملات الاتصالية والاقتصادية بين الدولتين بيد أن أهم ما نص عليه الإعلان هو اتفاق الدولتين على حل المنازعات بينهما بما فيها مشكلة كشمير بشكل ثنائى وتأتى أهمية هذا النص من أن الهند استعملته فيما بعد للادعاء بأن إعلان سيملا قد ألغى قرارات مجلس الأمن الخاصة بكشمير، حيث إن نزاع كشمير لا يحل إلا بشكل ثنائى، وهو الأمر الذى ترفضه باكستان مؤكدة أن قرارات مجلس الأمن لا تلغى إلا بقرارات جديدة من المجلس ذاته ومازالت باكستان تصر على التطبيق الكامل لقرارات مجلس الأمن الصادرة عامى 1948 و1950 بشأن كشمير.

وبعد إعلان سيملا، بادرت الهند وباكستان بتطبيق مجموعة من الإجراءات التى اصطلح على تسميتها بإجراءات بناء الثقة بهدف تجنب نشوب حرب جديدة بينهما ومن أهم تلك الإجراءات إنشاء لجنة باكستانية هندية مشتركة سنة 1982 لتسهيل الاتصال بين الدولتين على المستوى الوزارى وما دون هذا المستوى، والإعلان المشترك حول تحريم استعمال الأسلحة الكيميائية سنة 1992، والاتفاق على الإخطار المسبق بالمناورات العسكرية سنة 1992، والاتفاق سنة 1985 على عدم مهاجمة المنشآت النووية للدولتين.

بيد أن هذه الإجراءات وإن نجحت فى منع نشوب حرب رابعة بين الدولتين فإنها لم تؤد إلى حل المشكلات المطروحة بينهما بل إنه فى ظل تلك الإجراءات تحولت الهند وباكستان إلى قوتين نوويتين.

وقد تجددت مشكلة كشمير اعتبارا من سنة 1989، أى مع انسحاب السوفييت من أفغانستان، ونهاية الحرب الباردة ومنذ ذلك الحين سقط نحو 100 ألف قتيل فى الصراع المسلح حول كشمير بين القوات الهندية، والحركات المقاتلة فى كشمير وخارجها والمدعومة من باكستان وقد ازدادت حدة الصراع حول كشمير مع اندلاع السباق النووى الهندى الباكستانى فى مايو سنة 1998، حيث ربطت الدولتان السباق بما يحدث فى كشمير ففى 11 و13 مايو سنة 1998، قامت الهند بإجراء خمسة تفجيرات نووية دشنت بموجبها وضعها كقوة نووية، وقد أعقب تلك التفجيرات إدلاء المسئولين الهنود من حكومة حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسى بزعامة فاجباى بتصريحات تهدد باكستان بضرورة الاعتراف بالواقع الجديد فى الهند وعدم إثارة مشكلة كشمير مرة أخرى، مما اضطر نواز شريف رئيس وزراء باكستان إلى إجراء ستة تفجيرات نووية يوم 28 مايو رغم الضغوط الدولية عليه: ذلك أن الرأى العام الباكستانى مارس ضغوطا هائلة على حكومة شريف للرد على التفجيرات النووية الهندية، كما أن إعلان القوة النووية الباكستانية يشكل استعادة للتوازن الاستراتيجي بين الدولتين، كذلك دخلت الدولتان فى سباق لإنتاج الصواريخ طويلة المدى من طرازات بريتفى، وغورى وحتف، وهى صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية لمسافات تصل إلى 5000 كيلومتر ومن المؤكد أن هذا التطور قد حقق قدرا من التوازن الاستراتيجي بين الهند وباكستان، ولكنه أدى إلى فرض عقوبات دولية على الدولتين أضرت بباكستان أكثر مما أضرت بالهند.

وعقب التفجيرات الهندية، صرح أدفانى، وزير الداخلية الهندى، بأن باكستان يجب أن تأخذ فى اعتبارها أن التفجيرات النووية الهندية قد غيرت الموقف الاستراتيجي بشكل حقيقى فى كشمير وبعد ذلك، هدد باتخاذ إجراءات ضد الاستفزازات الباكستانية فى كشمير بينما صرح جوهر أيوب خان، وزير خارجية باكستان، بأن كشمير ستظل جرحا مفتوحا يمكن أن يؤدى إلى حرب نووية فى شبه القارة الهندية، وأضاف أن الموقف فى إقليم كشمير أخطر من الموقف أثناء الحرب الباردة وفى فبراير سنة 1999، زار فاجباى رئيس وزراء الهند باكستان وأصدر مع نواز شريف رئيس وزراء باكستان إعلان لاهور الذى أكد على أهمية التسوية السلمية للمشكلات المعلقة بين الدولتين. وفى مايو سنة 1999، حدثت مواجهة كبرى بين القوات الهندية والقوات الكشميرية المتمركزة فى مرتفعات كارجيل التى تقع على الجانب الهندى من خط السيطرة وقد أكدت الهند أن القوات المتمركزة فى كارجيل أتت من باكستان وهى مدعومة منها، وهو ما نفته باكستان ولكن أكدته المخابرات الغربية وقد التقى الرئيس الأمريكى كلينتون مع نواز شريف رئيس وزراء باكستان آنذاك فى 4 يوليو سنة 1999، واتفقا على احترام خط السيطرة طبقا لاتفاقية سيملا سنة 1972، واستئناف الحوار بين الهند وباكستان الذى بدأ فى مؤتمر قمة لاهور سنة 1999 بين رئيسى وزراء الهند وباكستان، والذى أسفر عن إعلان لاهور وعقب ذلك، انسحبت القوات التى دخلت كشمير.

وعقب ذلك، تطورت الأوضاع فى كشمير فى اتجاهين هما:ـ تصعيد أعمال العنف من داخل كشمير، ومطالبة حكومة كشمير بالحكم الذاتى ففى 15 مايو سنة 2000، أعلنت جماعة حزب المجاهدين مسئوليتها عن اغتيال غلام حسن بات، وزير الدولة لشئون الطاقة فى حكومة كشمير، وأربعة آخرين، وكانت تلك المرة الأولى التى يتم فيها اغتيال وزير كشميرى، حيث إنه منذ سنة 1989 قتل 20 وزيرا وأعضاء برلمان سابقون وفى 24 ديسمبر سنة 1999، قامت إحدى الجماعات الكشميرية بخطف طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية، وقد تم اختطاف الطائرة إلى باكستان وأثناء الأزمة، امتدحت الهند الموقف المحايد والمساعد الذى اتبعته باكستان لإنهاء الأزمة، ولكن بعد انتهاء الأزمة باستجابة الهند لشروط الخاطفين فى 31 ديسمبر، ألقت الهند بالمسئولية على باكستان من ناحيتها، سعت الهند إلى الدخول فى حوار مع الجماعات الكشميرية المقاتلة وأهمها تحالف الحرية لكل الأحزاب (الذى يضم 23 تنظيما كشميريا) وحزب المجاهدين ففى يوليو، أعلن حزب المجاهدين والقادة العسكريون الهنود فى كشمير وقفا لإطلاق النار 3 أشهر، بدأه الحزب فى 24 يوليو ثم تلاه القادة الهنود فى 28 يوليو وكان الحزب قد أعلن أن وقف إطلاق النار هو من طرف واحد تمهيدا للدخول فى مفاوضات مع الحكومة الهندية، كما أنه يمتد لمدة 3 أشهر فقط، وطالب الحزب بأن تنضم باكستان إلى المفاوضات وحزب المجاهدين هو الجناح العسكرى للجماعة الإسلامية فى باكستان بزعامة حسن منور ويضم حوالى 2000 مقاتل بزعامة سيد صلاح الدين وقد اعترضت باقى الجماعات الكشميرية المقاتلة على وقف إطلاق النار وعلى أى حال، لم يستمر وقف إطلاق النار طويلا، إذ سرعان ما سقطت الهدنة وتجدد القتال بعد أن رفضت الهند مشاركة باكستان فى المحادثات.

أما التطور الثانى فى كشمير، فكان هو مطالبة حكومة كشمير بزعامة فاروق عبد الله حكومة الهند فى 26 يونيو بالاعتراف بالحكم الذاتى الكامل لكشمير، بحيث تقتصر سلطات الحكومة المركزية على الدفاع والسياسة الخارجية والمواصلات، وذلك على غرار ما كانت عليه الأوضاع فى كشمير قبل سنة 1953 وقد قدم فاروق عبد الله تلك المبادرة بعد أن تبين له اتجاه حكومة الهند إلى التفاوض مع زعماء الحركات الكشميرية الانفصالية، متخطية بذلك حكومة كشمير وقد أدى إعلان فاروق عبد الله لهذا المطلب إلى انتقادات عنيفة له من الأحزاب الهندوسية فى كشمير وخارجها وأعلن الناطق الرسمى باسم حزب بهاراتيا جاناتا رفض الفكرة، بل وطالب بإلغاء المادة 370 من الدستور الهندى التى تمنح لولاية جامو وكشمير وضعا خاصا على أى حال، فقد رفضت حكومة فاجباى هذا الطلب وفى الانتخابات التشريعية التى أجريت فى كشمير فى أكتوبر سنة 2002 فقد فاروق عبد الله مقعده فى برلمان كشمير، بل وفقد حزبه ذاته أغلبيته فى البرلمان.

من ناحية أخرى، أعلنت حكومة مشرف فى 21 أكتوبر سنة 1999 قرارها بسحب القوات الباكستانية من منطقة الحدود الدولية مع الهند كبادرة حسن نية تجاه الهند، كذلك عرضت على الهند فى فبراير سنة 2000 الدخول فى حوار حول كشمير ولكن الهند قدمت ثلاثة شروط هى:ـ التزام باكستان باحترام خط السيطرة، وعدم طلب وسطاء دوليين لحل النزاع، والتوقف عن مساعدة الحركات الكشميرية أو القيام بالدعاية المضادة للهند وفيما بعد، قدمت الهند شرطا رابعا هو أن توافق باكستان على مناقشة القضايا الثمانى الأساسية المتفق عليها فى مؤتمر قمة لاهور فى آن واحد من ناحيتها، أعلنت باكستان على لسان وزير خارجيتها عبد الستار عزيز أنها ملتزمة بإعلان واشنطن الصادر عقب أحداث كارجيل بعد اجتماع القمة بين الرئيس كلينتون ورئيس الوزراء نواز شريف، وطالبت بالعودة إلى صيغة إعلان لاهور كذلك، أعلنت سحب قواتها المرابضة على خط السيطرة ومن الواضح أن باكستان أرادت بذلك تقديم ما يوازى المبادرات الدبلوماسية الهندية (وقف إطلاق النار) حتى تفوت على الهند سعيها للظهور باعتبارها قوة السلام الوحيدة فى جنوبى آسيا.

اتخذت مشكلة كشمير بعد أحداث11سبتمبر منحى جديدا فقد سعت الهند إلى توظيف الحملة الأمريكية ضد الإرهاب ـ لتصفية مشكلة كشمير من خلال وضع منظمات المقاومة الكشميرية على لائحة المنظمات الإرهابية التى تسعى الولايات المتحدة إلى تصفيتها وقد تعاطفت الولايات المتحدة مع هذا المسعى، حين أعلن سفيرها فى دلهى فى 24 نوفمبر سنة 2001 أن الولايات المتحدة ستسعى إلى تصفية المنظمات الكشميرية بعد الانتهاء من حملها الأفغانية ومن ثم، فقد اتفقت الهند والولايات المتحدة على الهدف، ولكنهما اختلفتا حول توقيت تنفيذه فبينما رأت الولايات المتحدة تأجيل الملف الكشميرى إلى ما بعد انتهاء حربها فى أفغانستان (حتى لا يفسد فتح هذا الملف علاقاتها مع باكستان) فإن الهند رأت أنه من المهم فتح الملف على الفور، لأن الولايات المتحدة لم تقدم ضمانا بالعمل المشترك مع الهند ضد المنظمات الكشميرية، ولهذا استغلت الهند حادث الهجوم على البرلمان الهندى فى 13 ديسمبر سنة 2001 واتهمت منظمات المقاومة الكشميرية بتدبير الهجوم واتهمت باكستان بمساندة وإيواء الهاجمين وقامت الهند بحشد قواتها على خط السيطرة فى كشمير وعلى طول حدودها مع باكستان، مما أدى بالأخيرة إلى تعبئة مماثلة، مما أدى بالتالى إلى أكبر حشد عسكرى على خطوط التماس الهندية الباكستانية منذ إنشاء الدولتين وتحت ضغط غربى، قام الرئيس الباكستانى بالضغط على المنظمات المتمركزة فى باكستان لوقف عملياتها فى كشمير التابعة للهند، وتم إلقاء القبض على كثير من عناصر تلك المنظمات.

بيد أن الهند اعتبرت أن ذلك كله غير كاف، ورفضت الدخول فى محادثات مع باكستان للحوار حول كشمير إلا بعد وقف كل عمليات التسلل عبر خط السيطرة وبدوره، أعلن الرئيس الباكستانى التزام بلاده بالدعم المعنوى والسياسى للمقاتلين الكشميريين.

مع تدهور الأوضاع فى أفغانستان والعراق بعد الغزو الأمريكى للدولتين، ضغطت الولايات المتحدة على الهند وباكستان للتهدئة والتعاون معها للسيطرة على الوضع الأفغانى، وساعدها على ذلك وصول حزب المؤتمر بزعامة سونيا غاندى إلى السلطة وتولى مانموهان سنج رئاسة الوزارة الهندية وتركز الولايات المتحدة حاليا على بناء تفاهم استراتيجى واسع مع الهند كجزء من سعيها لتحضير المسرح الاستراتيجى الآسيوى لمواجهتها القادمة مع الصين، وتعمل باكستان حاليا على منع إقامة هذا التفاهم من خلال التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة فى المسرح الأفغانى.
------------------------------------------------------------------
بقلم: د. محمد السيد سليم - المصدر: السياسة الدولية - الأهرام - مصر

تطور العلاقات الهندية - الباكستانية (2-3)

منذ أن انفصلت باكستان عن الهند عقب الاستقلال عام 1947، ظهرت فجوة كبيرة فى المستوى الحضارى بين شطرى باكستان الشرقى والغربى فعلى المستوى الجغرافى، تبلغ مساحة باكستان الغربية 310،403 ميل مربع وتعتبر باكستان الغربية أرضا قليلة الأمطار مما أثر بشكل سلبى على النشاط الزراعى بها، أما باكستان الشرقية فتقع فى منطقة تعتبر من أكبر دلتا الأنهار فى العالم وقد أدى هذا الاختلاف المتأخر إلى تنوع المحاصيل الزراعية وتباين نظام السكان والطعام والملابس، مما أحدث أسلوبا مختلفا للحياة فى كل منهما، وكذلك عمل ذلك على ظهور المشاكل الاقتصادية، فبينما مشكلة باكستان الغربية هى نقص المياه، نجد أن مشكلة باكستان الشرقية هى الفيضان أثناء فصل الأمطار الموسمية، وعلى ذلك تحتاج باكستان الغربية إلى مشروعات واسعة لأعمال الرى، بينما تحتاج باكستان الشرقية إلى تدابير للسيطرة على الفيضان وتدبير أعمال الرى وبالنسبة للسكان، ترتفع نسبة الكثافة السكانية لباكستان الشرقية إلا أن معدل التحضر بها منخفض، حيث يبلغ 5،2% بينما معدل التحضر فى باكستان الغربية 22،5%، وهذا يدل على التخلف الاقتصادى والاجتماعى فى باكستان الشرقية.

وعلى الصعيد الاجتماعى والسياسى، ظل هيكل السلطة وصورة المجتمع ثابتا نسبيا فى المناطق الريفية فى باكستان الغربية، بينما اتخذ ذلك صورة مفككة فى المناطق ذاتها فى باكستان الشرقية، حيث لم تكن هناك أى قيادات أو مؤسسات محلية دائمة، ومما زاد من سوء الأمر هو انعزال المناطق الريفية فى باكستان الشرقية، مما أدى إلى أن تكون السلطة محلية ومتناثرة وغير مستقرة، وكذلك عمل عدم وجود تنظيم اجتماعى قوى على عدم تركيز السلطة السياسية وتعتبر باكستان الغربية هى إقليم الإدارة، حيث ساهمت بصورة كبيرة فى أجهزة الإدارة المدنية والمؤسسات العسكرية، ونمت فيها تقاليد الحياة العسكرية فعقب الاستقلال، أدت السياسة التى اتخذتها الحكومة المركزية فى باكستان الغربية إلى زيادة التفاوت القائم بين باكستان الغربية وباكستان الشرقية فقد شعر واضعو السياسة فى باكستان فى هذا الوقت بأن مصير الدولة الجديدة لم يتأكد بعد مما جعلهم يتبعون سياسة تزيد من تلاحم ووحدة باكستان وأدى الاهتمام ببناء الدولة وزيادة كفاءة الإدارة الحكومية إلى المركزية وعدم المساواة فى توزيع السلطة بين الجناحين وظهرت البيروقراطية المدنية العسكرية التى سيطر عليها الباكستانيون الغربيون والتى قيدت من الاشتراك المباشر لمواطنى باكستان الشرقية ذوى الأصل البنغالى فى الإدارة ولم ترحب الصفوة البنغالية فى باكستان الشرقية بهذه المركزية الإدارية والسياسية، وأسسوا فى عام 1949 حزب رابطة عوامى وهو أول حزب إسلامى معارض فى باكستان الشرقية وكان الحزب هو التنظيم السياسى والمتحدث الرئيسى للصفوة البنغالية وفى اجتماع شعبى كبير، قدم الحزب مقترحات باكستان الشرقية بخصوص الوضع السياسى والإدارى غير المتكافئ فقد دعا الحزب إلى أن يقتصر اختصاص الحكومة المركزية على ثلاثة أمور هى: الدفاع والشئون الخارجية والنقد، بينما تترك الأمور الأخرى لاختصاص باكستان الشرقية وباكستان الغربية وظلت هذه المقترحات هى أساس جميع المطالب للاستقلال الذاتى للإقليم.

وفى عام 1954، تحدت الصفوة البنغالية الحكومة المركزية بالاشتراك فى الانتخابات، فتكونت الجبهة المتحدة المعارضة من حزب رابطة عوامى وحزب نظام الإسلامى اليمينى وأصدرت برنامجا انتخابيا من إحدى وعشرين نقطة، أهمها النقطة التاسعة عشرة التى تنص على ضرورة الحصول على الاستقلال الذاتى الكامل وإخضاع كافة الأمور لسيطرة الإقليم على أن يترك الدفاع والشئون الخارجية والنقد لسيطرة الحكومة المركزية وفازت الجبهة المتحدة المعارضة فى الحصول على 223 مقعدا من 309 مقاعد فى الجمعية التشريعية لباكستان الشرقية، بينما حصل حزب الرابطة الإسلامية الحاكم على عشرة مقاعد فقط وفى 15 مايو سنة 1954، شكل فضل الحق أحد زعماء الحزب وزارة كاملة لباكستان الشرقية من مختلف الطوائف ولكن كانت الإقالة السريعة لوزارة الجبهة المتحدة المعارضة دليلا على تعصب الصفوة الحاكمة ضد أى معارضة سياسية ففى مايو عام 1954، أقالت الحكومة المركزية الوزارة ووضعت إقليم باكستان الشرقية تحت الحكم المباشر للحاكم العام لباكستان وتم تحديد إقامة فضل، واستمرت هذه السياسة التعسفية تجاه باكستان الشرقية حتى مجىء أيوب خان إلى السلطة فى باكستان عام 1958 فقد أحس أيوب خان بظاهرة انعدام المساواة بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية التى كانت سببا كبيرا لتوتر وسوء تفاهم شديد بين الإقليمين وفى أول مارس 1962، أعلن الدستور الجديد لباكستان، وهو الدستور الذى اهتم بتحقيق المساواة بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية فى جميع مناصب الحكومة المركزية، وعلى أن تفتح أبواب الدفاع الوطنى عن باكستان للأفراد من جميع أنحاء باكستان إلا أنه رغم ذلك، فقد رفض أيوب خان إعطاء باكستان الشرقية الحكم الذاتى الإقليمى حتى لا ينقلب إلى استقلال كامل، وقد أدى ذلك إلى نشوب اضطرابات سياسية فى باكستان الشرقية بلغت ذروتها سنة 1968 باكتشاف مؤامرة قام بها عدد من قدماء العسكريين وكبار موظفى الحكومة وزعماء أحزاب المعارضة البنغال لخطف الرئيس أيوب خان أثناء زيارته لباكستان الشرقية فى ديسمبر سنة 1967 وتم القبض على قادة المؤامرة.

فى نوفمبر سنة 1970، ضرب إعصار عنيف سواحل باكستان الشرقية وأودى بحياة نحو نصف مليون شخص، وتعرضت غالبية السكان للأوبئة والأمراض وانتشرت المجاعة لدرجة أن بعض المحللين قد وصفوا هذه الكارثة بأنها هيروشيما أخرى فى الوقت التى حدثت فيه الكارثة كان رئيس باكستان هو يحيى خان الذى تولى السلطة عام 1969 بتأييد من المؤسسة العسكرية وكان البطء الملحوظ الذى صاحب استجابة السلطات الباكستانية لعلاج الكارثة قد زرع بقوة علامات الغضب والكراهية فى نفوس سكان باكستان الشرقية، والذين رأوا هذا الإبطاء كدليل على سياسة الحكومة التمييزية.

وقد تم إجراء انتخابات حرة لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية سنة 1971، ولكن نتيجة الانتخابات كانت بمثابة الصدمة بالنسبة للقيادة العسكرية ولحزب الشعب الحاكم بقيادة ذو الفقار على بوتو، حيث فاز حزب رابطة عوامى بزعامة مجيب الرحمن بالأغلبية فى باكستان الشرقية وكان ذلك يعنى أن رئيس الوزراء القادم سوف يكون القائد البنغالى مجيب الرحمن وليس على بوتو هذا السيناريو بالطبع كان مرفوضا رفضا قاطعا بالنسبة للحكومة المركزية فى باكستان الغربية، وكان نتيجته أن قام الرئيس يحيى خان بحل الجمعية التشريعية لأجل غير معلوم وقد اعتبرت رابطة عوامى هذا الإجراء بمثابة محاولة حكومية لقطع الطريق على باكستان الشرقية لطلب الحكم الذاتى، فبدأت موجة من الإضراب العام الذى شل جميع مظاهر الحياة فى باكستان الشرقية، الأمر الذى دفع يحيى خان إلى إعادة عمل المجلس التشريعى، ولكنه فى الوقت ذاته كان قد وضع ترتيباته للتدخل بالجيش فى باكستان الشرقية.

بعد مباحثات فاشلة مع جبهة رابطة عوامى، أمر يحيى خان باعتقال زعماء حزب رابطة عوامى، وقرر إرسال الجيش لسحق الحركة البنغالية الانفصالية وإعادة الأوضاع تحت تصرف الحكومة المركزية وكان التدخل العسكرى فى باكستان الشرقية دمويا ووحشيا، فقد انتشرت أعمال العنف والقتل والاغتصاب، ووصلت الأمور إلى ذروتها وحدتها بين الجيش وحركة المقاومة التى أسرعت إلى إنشاء حكومة مؤقتة لهم داخل باكستان الشرقية، وأطلقوا عليها اسم حكومة بنجلاديش وقد أدى احتدام القتال إلى نزوح الملايين من سكان باكستان الشرقية إلى البنغال الغربية التى كانت تقع داخل حدود الدولة الهندية وقد نتج عن ذلك زيادة العبء على ولاية البنغال الغربية، خاصة أنها تعتبر من أكثر الولايات الهندية ازدحاما بالسكان وتخلفا على المستوى الاقتصادى، وأيضا عدم استقرار ويتراوح هذا العدد الهائل إليها فقد وجدت الحكومة الهندية نفسها مضطرة إلى توفير الغذاء والمأوى لهذه الأعداد الكبيرة، مما يعنى الضغط على خططها ومواردها الاقتصادية المحدودة.

وفى ظل هذه الأوضاع، وجدت الهند نفسها تدفع ثمنا كبيرا لظروف مأساوية ليس لها أى شأن فى حدوثها كذلك وجدت الهند أن التدخل العسكرى الباكستانى فى شرق باكستان هو فرصة تاريخية لضرب وحدة باكستان وإثبات خطأ نظرية وحدة الأمة الإسلامية ونظرية الأمتين (الهندوسية والإسلامية) فى شبه القارة الهندية عن طريق التدخل لفصل باكستان الشرقية عن باكستان وهكذا، وجهت أنديرا غاندى رئيسة وزراء الهند حينذاك إنذارا إلى باكستان بالتوقف عن حملتها فى الإقليم، إلا أن الجيش الباكستانى واصل القتال الذى امتد فى العديد من المناطق إلى الحدود الباكستانية الهندية والاشتباك بين قوات كلا الجانبين هناك.

ومع تدفق اللاجئين، وجدت أنديرا غاندى أن مشكلة اللاجئين سوف تعوق اقتصاد الهند إلى الوراء إذا لم يتم اتخاذ حل سريع وحاسم بشأنها، ورأت أن تدخلا عسكريا حاسما ضد باكستان سوف يكون أجدى اقتصاديا واستراتيجيا بالنسبة لمستقبل علاقاتها مع باكستان وفى هذا الإطار، وقعت الهند اتفاقية صداقة مع الاتحاد السوفيتى لمدة 25 عاما، وكانت هذه الاتفاقية غطاء لحلف عسكرى بين الدولتين، وهذا يشكل بدوره عامل ردع ضد كل من باكستان وحليفتها الصين.

وفى أكتوبر 1971، بدأت القوات الهندية فى تقديم المساعدة لحكومة الحركة الوطنية فى باكستان الشرقية، ولكن ارتفاع عدد ضحايا الجنود الهنود قد خلق ضغطا شعبيا كبيرا على غاندى للأخذ بالثأر والدخول بالقوة فى المعركة ضد باكستان وبالفعل، بدأت الحرب بأن قامت القوات الهندية بالاشتباك مع القوات الباكستانية على حدود باكستان الشرقية وفى 1 ديسمبر 1971، وجهت غاندى إنذارا إلى يحيى خان بسحب كل قواته من باكستان الشرقية، ولكن يحيى خان رفض الإنذار على الرغم من تفوق القوات الهندية عدديا على نظيرتها الباكستانية، وأمر بتوجيه ضربة جوية عنيفة للهند فى 3 ديسمبر، ولكن الهجوم فشل نتيجة عدم فعالية الضربة والتحصين القوى للطائرات الهندية وفى منتصف ديسمبر، ازدادت حدة المعارك على الجانبين مع ظهور مؤشرات بتقدم القوات الهندية وتراجع الجيش الباكستانى، واستمر القتال لصالح القوات الهندية حتى تم إعلان وقف إطلاق النار، فى أواخر ديسمبر وذلك بشروط الهند فمع وقف إطلاق النار، كانت الهند قد سيطرت كليا على الموقف الحربى واستولت على كل باكستان الشرقية وعلى أراض من باكستان الغربية وقد أعلنت الهند إقامة دولة بنجلاديش فى إقليم باكستان الشرقية لتصبح وطنا دائما للبنغال الذين نزحوا إليها قبل ذلك وبذلك تم التقسيم مرة أخرى فى شبه القارة الهندية، ولكن هذه المرة تم داخل باكستان وظهرت دولة جديدة فى شبه القارة تعرف باسم بنجلاديش وقد امتد نطاق القتال بين الدولتين إلى الحدود الهندية الباكستانية فى باكستان الغربية واستولت الهند على مساحات واسعة من الأراضى الباكستانية فى أقاليم السند والبنجاب ومن الجدير بالذكر أن مجلة السياسة الدولية نشرت تحليلا لحرب سنة 1971 بعد وقوعها مباشرة باستخدام نظرية المباريات وقد كانت تلك المرة الأولى التى يشار فيها إلى تلك النظرية فى المجلة.
--------------------------------------------------------------------
بقلم: د. محمد السيد سليم - المصدر: السياسة الدولية - الأهرام - مصر

تطور العلاقات الهندية - الباكستانية (1- 3)

الحق أن مشكلة كشمير هى المشكلة المحورية فى العلاقات الهندية- الباكستانية، ولا يمكن فهم تطور العلاقات بين الدولتين بدون فهم تلك المشكلة.

تقع ولاية جامو وكشمير فى أقصى الشمال من شبه القارة الهندية فى إقليم الهمالايا، وتبلغ مساحة جامو وكشمير 218.780 كم مربع وتتكون أرضها من مجموعة سلاسل جبلية عالية تجري بينها المنابع العليا لنهر السند وطبيعة البلاد تمتاز بالجبال وروعة المنظر.

وهي مقسمة قسمين ثلثها تقريبا يخضع لإدارة باكستان والقسم الآخر أعلنت الهند ضمه إليها وجامو وكشمير ولاية إسلامية فالمسلمون بها أغلبية لا أقلية ونسبة المسلمين يها تصل إلى أكثر 75% وبسبب استيلاء الهند على النصيب الأكبر من أرض الولاية أصبح المسلمون أقلية وسط هذا المحيط البشري وظهرت هذه المشكلة غداة استقلال الهند وباكستان عام 1947 م. جغرافيا لا تتصل الولاية بالهند إلا من ناحية منطقة كاتو الضيقة وهي منطقة جبلية ليس بها ممرات أو طرق مما يجعل هذا الاتصال اسميا أكثر منه فعليا. فالهند لا تتصل بهذه الولاية إلا بالطائرات نظرا لصعوبة الاتصال البري بينهما كما أن جامو وكشمير ترتبط مائيا بباكستان عن طريق وادي السند.

وبلغ عدد سكانها حسب تعداد عام 1941 أربعة ملايين نسمة، منهم ثلاثة ملايين مسلم يحكمهم مهراجا هندوسى هو هارى سينج وفى الفترة التى انضمت فيها معظم الولايات والإمارات إما إلى الهند أو باكستان، لم يستطع مهراجا ولاية جامو وكشمير أن يتخذ أى قرار فى هذا الشأن، ولم ترحب كل من الهند وباكستان.

بتردد المهراجا وفى يوليو 1947، اندلعت ثورة مسلحة فى الجزء الأوسط الغربى من الولاية، حيث تمكن الثوار من إقامة ما يسمى بحكومة كشمير الحرة، وقد أمدت باكستان الثورة بالسلاح وأيدتها وفى شهر أغسطس من العام ذاته، قامت جماعات من الهندوس والسيخ بمذابح طائفية ضد المسلمين، أدت إلى فرار بعض المسلمين من المنطقة لجأ معظمهم إلى أراضى كشمير الحرة وقد اشترك مهراجا ولاية جامو وكشمير وأعوانه فى هذه الفتنة الطائفية، مما أشعل منطقة الحدود بين كشمير وباكستان فى أوائل أكتوبر 1947، بدأ المهراجا يشكو من حصار اقتصادى تفرضه باكستان على كشمير بسبب قطعها لإمدادات الغذاء وإدارة المواصلات عن الولاية وفى هذا الصدد، هدد المهراجا باكستان بأنه فى حالة عدم رفع الحصار، فإن كشمير ستقوم بطلب المساعدة من الأصدقاء، وهو هنا يقصد الهند بالطبع وفى 24 أكتوبر 1947، أرسل المهراجا بالفعل فى طلب مساعدة الهند العسكرية إلا أن الهند ردت بأنها لا تستطيع إرسال قوات هندية إلا بعد انضمام كشمير رسميا إلى الهند، الأمر الذى دفع المهراجا إلى توقيع وثيقة انضمام كشمير إلى الهند وطلب الاستعانة بالقوات الهندية.

 وفى 27 أكتوبر 1947، وافقت الهند على انضمام كشمير إليها وبدأت فى إرسال قواتها العسكرية التى استطاعت أن تدافع عن العاصمة فى وجه الثوار المسلحين وفى أوائل نوفمبر 1947، بدأت القوات الهندية عملياتها على طول محور الغزو الرئيسى لتطهير المنطقة من الثوار ونتيجة لهذا التصعيد، اجتمع مونتباتن الحاكم العام للهند بعد أن اعتذر نهرو لمرضه بمحمد على جناح الحاكم العام لباكستان فى لاهور من نفس الشهر، وكانت هذه أولى مباحثات هندية باكستانية تدور حول كشمير وقدم محمد على جناح مقترحات تدعو إلى إيقاف القتال فورا وانسحاب القوات الهندية ورجال الثوار فى وقت واحد وبأقصى سرعة من أراضى ولاية جامو وكشمير، وكذلك أن تتولى الهند وباكستان إدارة الولاية وترتبا لإجراء استفتاء تحت إشرافهما المباشر. وقد رفضت الهند هذه المقترحات لأن ذلك سوف يعنى ببساطة التنازل عن المكاسب العسكرية التى حققتها القوات الهندية، والأهم من ذلك هو تيقن الهند من أن إجراء استفتاء شامل فى الولاية سوف يكون لصالح باكستان، لأن معظم سكان الولاية من المسلمين، واستمر القتال فى كشمير خلال شتاء وربيع 1948 وبدأت القوات النظامية الباكستانية فى الاشتراك فى القتال فى أواخر مارس 1948، وتمكنت من وقف تقدم القوات الهندية فى باقى أراضى الولاية، ومن ثم أصبحت القوات الباكستانية ندا للقوات الهندية فى كشمير.

فى أوائل يناير 1948، اتخذت الهند المبادأة وعرضت النزاع على مجلس الأمن، وطلبت من مجلس الأمن الإيقاف الفورى للقتال وانسحاب من سمتهم بالغزاة من ولاية جامو وكشمير، ولكنها لم تطلب تدخل مجلس الأمن فى مسألة مستقبل الوضع فى كشمير وفى نفس العام، أصدر مجلس الأمن بالنسبة للنزاع أربعة قرارات هى القرارات الصادرة على التوالى فى 17 يناير 1948، و20 يناير 1948 و21 أبريل 1948، و3 يونيو 1948 وكان أهم هذه القرارات القرار الصادر فى 20 يناير 1948 والقرار الصادر فى 21 أبريل 1948 فقد نص قرار 20 يناير 1948 على تشكيل لجنة للوساطة بين الدولتين تتكون من ثلاثة أعضاء تختار أحدهم الهند والثانى باكستان، أما الثالث فيتم اختياره بواسطة العضوين السابقين أما القرار الصادر فى 21 أبريل 1948، فقد نص على زيادة عدد أعضاء لجنة الوساطة إلى خمسة أعضاء، وحدد مهمة اللجنة بالذهاب فورا إلى شبه القارة الهندية بغرض تسهيل اتخاذ إجراءات استعادة السلام والنظام وإقامة استفتاء فى كشمير، وتكونت لجنة وساطة الأمم المتحدة من تشيكوسلوفاكيا التى اختارتها الهند، والأرجنتين التى اختارتها باكستان، واختار مجلس الأمن بلجيكا وكولومبيا والولايات المتحدة وأجرت اللجنة التى أطلق عليها اسم لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان مباحثات مع الهند وباكستان، وأصدرت قرارها الأول فى 13 أغسطس 1948 بوقف إطلاق النار بين الدولتين وإجراء استفتاء عام لتحديد مستقبل وضع ولاية جامو وكشمير وفى 5 يناير 1949، اتخذت اللجنة قرارها الثانى واعتبرته مكملا لقرارها الأول ونص القرار الثانى على المبادئ الأساسية للاستفتاء ولكن بصورة أكثر تفصيلا ونجحت اللجنة فى تحقيق إيقاف إطلاق النار بين الدولتين، وعقد اتفاق بينهما لتحديد خط إيقاف النار وعدم زيادة القوات على جانبيه ولكن اللجنة فشلت فى حل مشكلة قوات كشمير الحرة ومشكلة إدارة المناطق الشمالية الجبلية للولاية وأعقب لجنة الوساطة العديد من الوسطاء الدوليين، إلا أن جهودهم جميعا لم تحقق أى نجاح يذكر خصوصا فى مسألة نزع السلاح فى ولاية كشمير وهكذا انتهت وساطة الأمم المتحدة التى استمرت من عام 1948 إلى عام 1953 بالفشل فى حل نزاع كشمير.

وفى 16 أغسطس 1953، بدأت المباحثات المباشرة بين الهند وباكستان فى دلهى بين نهرو، ومحمد على بوجرا رئيسى وزراء الدولتين وتم الاتفاق على ضرورة إجراء استفتاء محايد للتحقق من رغبات شعب كشمير، وعلى تعيين مدير للاستفتاء ولكن اتفاقية دلهى سرعان ما واجهت انتكاسة كبيرة وذلك بتوقيع باكستان اتفاقية الدفاع المتبادل مع الولايات المتحدة، الأمر الذى دفع نهرو إلى التخلى عن التزاماته بعقد استفتاء فى كشمير وكذلك صدقت الجمعية التشريعية فى كشمير على انضمام الولاية إلى الهند، وقامت بتطبيق الدستور الهندى على كشمير وقد احتج محمد على بوجرا على تراجع نهرو عن إجراء استفتاء فى كشمير وعلى قرار الجمعية التشريعية فى كشمير لانضمام الولاية إلى الهند وهكذا انتهت مرحلة المباحثات المباشرة بالفشل لتعود المشكلة مرة أخرى إلى الأمم المتحدة.

فى 16 يناير 1957، اجتمع مجلس الأمن ليناقش طلب باكستان، واتخذ قرارا يؤكد قراراته السابقة وكذلك قرارات لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان وأكد المجلس أن الاستفتاء الحر الذى يجرى تحت إشراف الأمم المتحدة هو الذى يحدد الوضع النهائى لولاية جامو وكشمير، وأن قرار الجمعية التشريعية فى كشمير هو عمل غير شرعى ولا يغير من وضع الولاية وفى 2 ديسمبر 1957، أصدر مجلس الأمن قرارا بتعيين وسيط دولى مرة أخرى بين الدولتين لتنفيذ مقترحات لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان، وأجرى مباحثات بين الدولتين وقدم تقريره إلى مجلس الأمن، ووافقت باكستان على مقترحاته بينما رفضتها الهند وبذلك توقفت جهود الأمم المتحدة مرة أخرى.

فى أواخر عام 1962، بدأت فكرة العودة إلى المفاوضات المباشرة بين الهند وباكستان لحل مشكلة كشمير مرة أخرى ففى هذه المرة حدث تغير مهم فى شبه القارة الهندية بنشوب الحرب الصينية الهندية وهزيمة القوات الهندية وطلبت الحكومة الهندية المساعدة العسكرية من الولايات المتحدة وبريطانيا، ونتيجة لهذه الظروف، تمكنت كلتا الدولتين من إقناع نهرو بعودة المفاوضات المباشرة مع باكستان حول كشمير وصدر بيان مشترك للدولتين فى 29 نوفمبر 1962 يعلن عن إجراء مباحثات على المستوى الوزارى للتمهيد للاجتماع النهائى بين أيوب خان الذى تولى السلطة فى باكستان عام 1958 ونظيره نهرو لحل مشكلة كشمير، إلا أن المباحثات الوزارية بين الوفدين الهندى والباكستانى انتهت دون إحراز أى تقدم نتيجة للخلاف العميق فى وجهات النظر وصدر بيان مشترك أعلن عدم الوصول إلى اتفاق حول تسوية مشكلة كشمير، ولم يدع البيان المشترك إلى عقد مؤتمر قمة بين نهرو وأيوب خان.

فى 27 مايو سنة 1964، مات نهرو، وتلاشت معه الآمال فى عقد مؤتمر قمة بين رئيسى الحكومتين وتولى ـ ساشترى ـ رئاسة الحكومة الهندية، والذى اتخذ خطوة جريئة لم يقدم عليها نهرو خلال الستة عشر عاما الماضية منذ بدأت مشكلة كشمير، وذلك بضم كشمير نهائيا للهند وإغلاق باب المفاوضات والتسوية تماما وعقب ذلك، أصدر الرئيس الهندى فى 21 ديسمبر 1964 قرارا جمهوريا بناء عليه تولى سلطات ومهام كل من الحكومة والجمعية التشريعية فى كشمير واحتجت الحكومة الباكستانية لدى الهند ضد ضم كشمير إليها وعدم التمسك بالالتزامات الدولية ومعارضة رغبات شعب كشمير وهكذا، تلاشت كل الآمال لحل المشكلة بالطرق السلمية، وبات واضحا تحول أيوب خان إلى التفكير فى سياسة استخدام القوة والتخلى عن الوسائل السياسية، مما جعل العمل العسكرى أمرا لا مفر منه وبدأت باكستان بالفعل تستعد للحرب.

بدأ النزاع الهندى الباكستانى المسلح حول كشمير فى النصف الأخير من عام 1965، واتبعت باكستان نفس الطريقة التى استخدمتها فى النزاع الأول عام 1947-1948 ففى 5 أغسطس 1965، عبر المئات من المتسللين الباكستانيين المسلحين بالأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة خط وقف النار إلى داخل كشمير، واتجهت القوة الرئيسية للغزاة نحو العاصمة سرينجار لإثارة انتفاضة شعب كشمير بغرض قلب الحكومة بالقوة والاستيلاء على السلطة وتشكيل مجلس ثورى بمساعدة باكستان؟ وعندما فشل الثوار فى تنفيذ أهدافهم، شنت باكستان فى أول سبتمبر 1965 هجوما قويا بالمدرعات، ونجح الهجوم الباكستانى فى دفع القوات الهندية للخلف واستولت القوات الباكستانية على مدينة أخانور على مسافة 20 ميلا داخل الأراضى الهندية وبينما كانت المعارك تدور فى كشمير، اجتمع مجلس الأمن واتخذ قرارا فى 4 سبتمبر 1965 دعا فيه حكومتى الهند وباكستان إلى وقف إطلاق النار فورا، واحترام خط وقف النار وانسحاب جميع الأفراد المسلحين والتعاون مع المراقبين العسكريين للأمم المتحدة فى الهند وباكستان للإشراف على مراقبة وقف إطلاق النار وفى 6 سبتمبر 1965، قامت القوات الهندية بهجوم واسع النطاق شمل الجبهة الغربية بأكملها بهدف وقف تقدم القوات الباكستانية الناجح فى جنوب غرب كشمير واجتمع مجلس الأمن مرة أخرى فى نفس اليوم للنظر مرة أخرى فى النزاع واصدر قرارا يدعو فيه أطراف النزاع إلى وقف إطلاق النار فورا وفى 9 سبتمبر 1965، بدأ السكرتير العام للأمم المتحدة بزيارة الدولتين للقيام بمهمة شخصية للسلام فى شبه القارة الهندية، وقام بمفاوضات مكثفة مع قادة باكستان والهند دون أى تقدم ملحوظ.

وفى ظل هذه الظروف، وجدت الصين الفرصة للتدخل فى النزاع وبدأت حرب الإنذارات والتهديدات ضد الهند وعندما ظهر خطر قيام الصين بعمل عسكرى ضد الهند، حذرت الولايات المتحدة الصين بأنه لا يمكن لبكين أن تهاجم الهند دون أن تتعرض للردع الأمريكى وفى هذه الأثناء، كان مجلس الأمن يقوم بنشاط دبلوماسى مكثف لاتخاذ قرار جديد للسلام فى شبه القارة الهندية وأصدر المجلس فى20 سبتمبر 1965 قراره الثالث منذ بدء النزاع ونص قرار المجلس أيضا على وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 22 سبتمبر 1965 وانسحاب الأفراد المسلحين من كلا الجانبين إلى المواقع التى كانوا يحتلونها قبل 5 أغسطس 1965.

وقبلت الهند وباكستان وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 23 سبتمبر 1965 وبدأت الدولتان بعد انتهاء القتال فى استغلال الفرصة فى ظل وقف إطلاق النار للتوسع فى الاستيلاء على مزيد من الأراضى وتعزيز المواقع العسكرية القائمة ودفع هذا مجلس الأمن لكى يصدر قراره الرابع بوقف إطلاق النار فى 27 سبتمبر 1965، معبرا عن قلقه البالغ لعدم تمسك حكومتى الهند وباكستان بوقف إطلاق النار وفى 5 نوفمبر 1965، أصدر مجلس الأمن قراره الخامس معلنا أسفه لعدم تنفيذ قرارات المجلس السابقة، وطلب من حكومتى الهند وباكستان أن تتعاونا فى تنفيذ هذه القرارات لتحقيق وقف إطلاق النار والانسحاب السريع للأفراد المسلحين.

وفى 4 يناير 1966، بدأت فى مدينة طشقند فى الاتحاد السوفيتى مباحثات السلام بين أيوب خان وشاسترى بناء على العرض السوفيتى يوم 4 سبتمبر 1965 وبذل السوفيت جهودا مكثفة لنجاح المفاوضات بين الجانبين، وتم توقيع اتفاقية طشقند فى 10 يناير1966، إلا أنها كانت خطوة كبيرة نحو السلام، فقد تم الاتفاق على انسحاب قوات الطرفين فى موعد أقصاه 25 فبراير 1966 إلى المواقع التى كانوا يحتلونها فى 5 أغسطس 1965، وأن يراعى كل من الطرفين شروط وقف إطلاق النار، وكذلك وافق الطرفان على عودة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية والنظر فى الإجراءات لعودة العلاقات الاقتصادية والثقافية ومناقشة مشكلة اللاجئين فيما بعد.

وفى ديسمبر سنة 1971، نشبت حرب ثالثة بين الهند وباكستان، وقد جاءت طبيعة النزاع الهندى الباكستانى هذه المرة مختلفة تماما عن النزاعات السابقة، فلم يكن النزاع هذه المرة بسبب مشكلة كشمير، ولكنه بدأ بمشكلة داخلية فى باكستان سرعان ما تحولت إلى نزاع ثنائى مع جارتها الهند أدى إلى قيام الحرب بينهما فى نهاية عام 1971 وحيث إن النزاع قد بدأ أولا بمشكلة داخلية بين جناحى باكستان (باكستان الغربية وباكستان الشرقية) فإننا سوف نبدأ بعرض المشكلة وجذورها والأوضاع التى أدت إلى تفجرها على هذا النحو الدموى لتؤدى إلى نشوب الجولة الثالثة للصراع الهندى الباكستانى.
-------------------------------------------------------------------
بقلم: د. محمد السيد سليم - المصدر: السياسة الدولية - الأهرام - مصر