‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ودراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ودراسات. إظهار كافة الرسائل

الكشميريون للعالم الإسلامي.. أين أنتم؟

بقلم: سمير حسين زعقوق
          [قبل 19 عامًا كان حديث العالم الإسلامي لا ينقطع عن كشمير، وما يعرض له أهلها، وقد تجد من يكتب عن كشمير، ومن يطرح قضيتها دوليًا، انشغل الجميع بمقاعدهم، وتناسوا قضايا المسلمين، حتى أصبح الخبر الرئيسي في كل وسائل الإعلام، عجمية وعربية، مقتل مسلم على يد قوات احتلال، أو تحت سياط التعذيب في سجن دولته، وهكذا، يوميًا، دون انقطاع، وكأنها مهمة رسمية يقومون بها، واليوم في كشمير، زاد الكيل وطفح، بين قتل واقتحامات، واتخاذ الكشميريين دروعًا بشرية، لحماية قوات الأمن الهندوسية، من حجارة الأطفال في كشمير.

ليس هذا فقط، بل ما زالت الهند تتجاهل وتحتقر جميع قرارات الأمم المتحدة والتزاماتها الدولية باحترام رغبة الشعب الكشميري، وعمدت إلى ضم الولاية إلى الاتحاد الهندي عن طريق الغش والاحتيال وادعت أن نواب الشعب المنتخبين صوتوا على جانب الانضمام إلى الهند.. ولكن من هؤلاء النواب؟ إنهم الذين وصولوا إلى البرلمان عن طريق التزوير أو في ظل بنادق الجيش الهندي وحرابه. كما أن نسبة من أدلى بأصواتهم في آخر انتخابات لم تتعد نسبة 10% من مجموع السكان.
يوجد الآن أكثر من 800 ألف جندي هندي في كشمير المحتلة، وهذه النسبة تعتبر أعلى نسبة على الإطلاق في العالم لتواجد عسكري لبلد خارج حدوده، وهم يوميًا يرتكبون جرائم ضد الشعب الكشميري، يحرقون مساكنهم ومتاجرهم وينهبون أموالهم ويعتدون على أعراض المسلمين ويعتقلون الآلاف من الشبان في غارات ليلية أو في ساعات حظر التجول التي تفرض يوميًا على سائر مدن الولاية، وخاصة عاصمتها 'سرينغر'، إن غاية هذا الاضطهاد الهندي، هو إبادة الوجود الإسلامي وتغيير تركيبة سكان الولاية، لتصبح ولاية هندوسية كبقية ولايات الهند.

وقد لوحظ أنه بين كل إحصائية تجري للسكان كل عشر سنوات تتناقص نسبة المسلمين 5% في كل مرة حتى أصبحت نسبته 80%، بعد أن كانت أكثر من 95% قبل انتقل الحكم إلى الهندوس.

ولكن الشعب المسلم الغيور على دينه أدرك هذه المؤامرة الدنيئة ضد تعاليم الإسلام، فتصدى الشباب المسلم الواعي لهذا الغزو الهندوسي الانحلالي، فكانت الصحوة الإسلامية المباركة.. فراح الشباب المسلم يحطم الخمارات وغيرها من أماكن اللهو تحت قيادة حركة التحرير الكشميرية.
 
لقد أعلن الشباب الكشميري المسلم الجهاد لتحرير بلاده من ربقة الاحتلال الهندي والذود عن دينه الحنيف، وهاهم يقاومون البنادق والأسلحة الفتاكة بالحجارة وقذائف ملوتوف. وفرضت قوات الاحتلال تعتيمًا إعلاميًا كاملاً فقامت بطرد مندوبي وكالات الأنباء العالمية من الولاية ولم تسمح إلا لعدد قليل من مندوبي وكالة الأنباء الهندية، فارضة عليهم رقابة إعلامية صارمة لا تسمح بخروج أي خبر عما يحدث، إلا ما تصرح به السلطات، وفرضت ستارًا حديديًا محكمًا حول الولاية. 

من منّا لم يسمع بالمظاهرات التي يقوم بها المسلمون في كشمير رجالاً ونساءً وشيوخًا وأطفالاً ـ يخرجون إلى الشوارع حتى خلال ساعات حظر التجول التي تفرضها قوات الاحتلال ـ مُتحَدِّين رصاص الجنود الهنود؟ فمثلاً في الأشهر الماضية سارت مظاهرة سلمية كبيرة لتسليم التماس إلى مندوبي الأمم المتحدة في مقر المراقبين الدوليين في العاصمة 'سرينغر'، وتصدت لهم قوات الاحتلال وحصدت برشاشاتها أرواح خمسين متظاهرًا مسالمًا، بينهم محامون وأطباء ومهندسون ونساء وأطفال.. سقطوا جميعًا شهداء في سبيل الله، وهذا مجرد مثال واحد، مما يحدث الآن في مدن كشمير المحتلة. كل ذلك يحدث والهند تدعي أمام العالم بأن باكستان هي وراء هذه الأحداث.

إن الشعب الكشميري المسلم بكامله، هو الذي خرج يقاوم الاحتلال الهندي الغاشم ليسترد هويته الإسلامية التي حرم منها. إن ذبح البقرة في كشمير المحتلة يعتبر عملاً غير قانوني يحكم على مرتكبه بالسجن المؤبد، لأنه ينافي تعاليم الهندوسية، بينما يعتبر ما يرتكبه الهندوس ضد الإسلام أمرًا مباحًا. 
إن الحكومة الهندية تتدخل في قانون الأحوال الشخصية الإسلامي، وترغم المسلمين على العيش حياة غير إسلامية ـ بل ومنافية للإسلام ـ فبينما تمتلئ الكتب المدرسية بالأساطير الهندوسية جرى تحريف لتاريخ المسلمين ـ فمثلاً ـ يصورون الحكام المسلمين بأنهم طغاة مستبدون واستغلاليون، بينما يضعون الهالات حول زعماء الهندوس ويصورونهم كأبطال، لقد أغلقوا إقامة الصلاة في المدارس وأهملوا تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية, بل استبدلوا لغة الأوردو ـ لغة المسلمين في شبه القارة الهندية ـ بلغة الهندوس، وفي عام 1975م أغلقوا '125' مدرسة إسلامية والنسبة الحالية بهذا الخصوص دخلت نسبة الألوف، بينما تلقى المدارس الهندوسية الخاصة كل تشجيع ودعم من الحكومة. 

إن ما ندعو إليه الآن، هو بذل التأييد المعنوي والمادي لمساعدة مسلمي كشمير على نيل حريتهم ومزاولة حقهم في تقرير المصير، إن اضطهاد المسلمين في هذه البلاد لا يقل أهمية عن اضطهاد المسلمين في فلسطين وسوريا وبورما والفلبين وأفريقيا الوسطى وأفغانستان والعراق، وغيرها.

باكستان عمران خان


شهيد جواد بوركي*
سوف يصبح لاعب الكريكيت السابق، عمران خان، الذي تحول إلى سياسي، رئيس وزراء باكستان المقبل. وقد اكتمل فرز الأصوات بعد ثلاثة أيام من الانتخابات في الخامس والعشرين من تموز (يوليو)، وقاد خان حزبه، حركة إنصاف باكستان، إلى النصر. ويحتاج أي حزب -أو ائتلاف من مجموعة أحزاب- إلى دعم 137 عضواً في الجمعية الوطنية على الأقل حتى تتسنى دعوته لتشكيل حكومة. وقد اقترب خان من تحقيق هذا الهدف. فبعد حصوله على 115 مقعداً، يجب أن يكون حزب حركة إنصاف باكستان قادراً على الحصول على دعم العشرات من المستقلين وأعضاء الأحزاب الأصغر حجماً. وقد رجح المراقبون أن يؤدي اليمين الدستورية قبل الرابع عشر من آب (أغسطس)، الذي يوافق الذكرى السنوية الحادية والسبعين لميلاد دولة باكستان.

في انصياع لمشورة مستشاريه المقربين، وبمخاطبته لجماهير الناس بوصفه رئيس الوزراء المنتخب، قال خان إنه بعد أن مارس رياضة الكريكيت، أصبح يعلم أن المباراة لا تنتهي إلى أن تُضرَب آخر كرة. لكنه ظهر في وقت لاحق على شاشة التلفزيون الوطني وهو يَعِد بيناء باكستان جديدة.

بعقد الانتخابات، أكملت البلاد واحدة من أكبر الممارسات الديمقراطية في العالَم. وفي الإجمال، جرى تسجيل 106 ملايين ناخب لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية المقبلة وأربع جمعيات إقليمية. ومِن هؤلاء، أدلى 56 مليون شخص (ما يقرب من 53 % من الإجمالي) بأصواتهم. وقد اختار الناخبون 270 عضواً للجمعية الوطنية. ولأن اثنين من المرشحين قُتِلا في أعمال عنف سابقة للانتخابات، فقد جرى تأجيل التصويت على اثنين من المقاعد المنتخبة بشكل مباشر. كما تم انتخاب ستين امرأة وعشرة أعضاء من أقليات دينية مختلفة بشكل غير مباشر من قِبَل الجمعيات الإقليمية الأربع، وبذلك بلغ مجموع أعضاء الهيئة التشريعية الوطنية 342 عضواً.

تنافس في الانتخابات أكثر من 3.600 مرشح على مقاعد الجمعية الوطنية المنتخبة بشكل مباشر (272 مقعداً)، بمتوسط 13 متنافساً على كل مقعد. وهو دليل جيد لقياس حالة السياسة في البلد. ففي الأنظمة السياسية الأقل تطوراً، عادة ما يكون الانضباط الحزبي أضعف من أن يحد من عدد القادرين على خوض الانتخابات.

كما تزدحم الساحة السياسية الباكستانية أيضاً بعدد كبير من الأحزاب، وهي علامة أخرى على عدم نضج النظام. فبالإضافة إلى حزب حركة إنصاف باكستان، الذي أسسه خان في العام 1996، يتمتع حزبان آخران بعدد حاشد من الأتباع. والأقدم بينهما هو حزب الرابطة الإسلامية في باكستان (نواز)، الذي يرجع تاريخه إلى العام 1906، عندما شكل السكان المسلمون في الهند البريطانية منظمة لتمثيل مصالحهم السياسية والاقتصادية في المجتمع. وبقيادة مؤسس باكستان، محمد على جناح، نظم حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية حملة لإنشاء دولة منفصلة للسكان المسلمين في الهند. ومنذ استقلال باكستان في العام 1947، عاد الحزب إلى الحياة في عدة أشكال: وكان أحدث أشكاله الرابطة الإسلامية الباكستانية (ن) بقيادة رئيس الوزراء السابق نواز شريف، والتي أصبحت الآن تحت قيادة أخيه شهباز.

وتأسست القوة السياسية الرئيسية الأخرى، حزب الشعب الباكستاني، على يد ذو الفقار علي بوتو في العام 1967، بعد أن استقال من الحكومة التي كان يترأسها مرشده الجنرال أيوب خان، أول قائد عسكري للبلاد، بسبب خلافات حول سياسات خان في إدارة العلاقات مع الصين والهند والولايات المتحدة.

كانت الانتخابات العامة الأخيرة هي رقم 11 في باكستان. وحتى الآن، لم تكن الانتخابات مفتوحة وديمقراطية إلا في مناسبتين فقط، في العام 2008، ثم في العام 2013. وأدت كل من المناسبتين إلى انتقال سلمي ومنظم للسلطة. وفاز في انتخابات العام 2008 حزب الشعب الباكستاني تحت قيادة مشتركة تألفت من آصف على زرداري، أرمل رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو، التي قتلت في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2007 أثناء إلقائها كلمة أمام حشد انتخابي. وفاز حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (ن) في انتخابات العام 2013، وأصبح شريف رئيساً للوزراء. لكنه خُلِع في العام 2017، عندما أدت تسريبات ما أسمي "أوراق بنما" إلى اتهامه جنائياً بعدة جرائم مالية. وفي وقت سابق من هذا العام، منعته المحكمة العليا من تولي أي منصب عام مدى الحياة، وفي هذا الشهر حُكِم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات.

جرت انتخابات هذا العام في سلام نسبي، وهو ما يرجع جزئياً إلى وجود قوات عسكرية قوامها 370 ألف جندي حول مراكز الاقتراع. وعلى الرغم من أن نشر هذه القوات كان المقصود منه منع مزاعم تزوير الأصوات، التي استخدمها عمران خان وأنصاره لإلقاء ظلال من الشك على شرعية حكومة شريف، زعمت الأحزاب المهزومة أن الانتخابات لم تكن نزيهة.

كان نجاح حزب حركة إنصاف باكستان راجعاً إلى مجموعة من العوامل.
فبادئ ذي بدء، رفع الحزب مكانته بين شباب المناطق الحضرية في باكستان. وتتمتع باكستان بواحد من أكثر شعوب العالَم شباباً؛ حيث يبلغ متوسط العمر بين السكان 25 عاماً فقط، وكانت هجرة الشباب إلى المدن الكبرى سبباً في زيادة نسبة الشباب في أماكن مثل كراتشي ولاهور إلى نحو 70 % إلى 75 %. ومن منظور كثيرين من هؤلاء الشباب، لم يلب حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (ن) ولا حزب الشعب الباكستاني طموحاتهم، في حين وعد خان بوظائف مجزية، فضلاً عن التعليم والرعاية الصحية والنقل الحضري. وحقق حزب حركة إنصاف باكستان تقدماً كبيراً في مدينة كراتشي الضخمة، حيث ألحق مرشحوه الهزيمة بأحزاب قديمة راسخة.

كما اجتذب تركيز خان الشديد على الفساد الدعم من الناخبين الشباب. فقد اتُهِم كل من زرداري وشريف بالفساد من قِبَل مكتب المحاسبة الوطني، وهي المنظمة التي تتمتع بصلاحيات قضائية والتي أنشأها الجنرال برويز مشرف، رابع رئيس عسكري للبلاد، للتحقيق في مخالفات عالية المستوى. وفي حملته الانتخابية، ربط خان بين الفساد الرسمي وفشل الدولة في توفير السلع والخدمات التي يريدها الشباب.

جلبت الانتخابات أيضاً قضيتين أخريين إلى الصدارة. فأولاً، إلى أي مدى كانت المؤسسة العسكرية متورطة في الخروج بهذه النتائج التي يعتقد كثيرون في البلاد أن الجنرالات كانوا يريدونها. وثانياً، ما هي العواقب طويلة الأمد المترتبة على الدور العدواني الذي لعبه القضاء في إدارة شؤون الدولة؟ وسوف يستغرق الرد على مثل هذه التساؤلات بعض الوقت. لكن الإجماع الناشئ يشير إلى أن خان كان المفضل لدى المؤسسة العسكرية. ومع قبول وسائط الإعلام الرئيسية هذا التقييم إلى حد كبير، فسوف يشكل هذا الإجماع التصورات الدولية لحكومته.

* وزير المالية الباكستاني السابق ونائب رئيس البنك الدولي، وهو حالياً رئيس معهد شهيد جواد بوركي للسياسة العامة في لاهور.
* صحيفة "الغد" الأردنية، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

الانتخابات الباكستانية.. مرحلة جديدة


لعل أكثر ما يميز هذه الانتخابات، ما سبقها من تعيين رئيس محكمة عليا قوي مدعوم من قبل المؤسسة العسكرية، وهو ما مكّنه من تطهير جزء من الحياة الحزبية السياسية، فنزع الأهلية السياسية عن زعيم حزب الرابطة الإسلامية نواز شريف، 
.أحمد موفق زيدان، كاتب صحفي سوري
بقلم: د. أحمد موفق زيدان
شهر كامل تقريباً يفصلنا عن الانتخابات الباكستانية ونحن الذين نعيش أجواء نتائج الانتخابات التركية، بينما العالم العربي غارق بالاستبداد والفوضى ورفض اللجوء للخيار الشعبي. خمسة أيام أمضيتها في باكستان أجول فيها وألتقي الشخصيات الفاعلة لأتلمس الحياة السياسية الجديدة، بعد الهزات العنيفة التي تعرّض لها المطبخ السياسي والحزبي خلال السنوات الماضية، إن كان بموت شخصية كبي نظير بوتو، أو بطلاق حقيقي بين حزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف ربيب المؤسسة العسكرية لعقود وبين الأخيرة، أو بدخول لاعبين جدد على المضمار السياسي الباكستاني كلاعب الكركيت الباكستاني عمران خان، وحتى حزب “الله أكبر” لحافظ محمد سعيد عبر الأبواب الخلفية، وهو الذي تم رصد عشرة ملايين دولار على رأسه بذريعة الإرهاب.. فضلاً عن تغيرات وتبدلات كثيرة وكثيرة.

لعل أكثر ما يميز هذه الانتخابات، ما سبقها من تعيين رئيس محكمة عليا قوي مدعوم من قبل المؤسسة العسكرية، وهو ما مكّنه من تطهير جزء من الحياة الحزبية السياسية، فنزع الأهلية السياسية عن زعيم حزب الرابطة الإسلامية نواز شريف، وإن كان البعض يعتقد أن لهذا علاقة بغضب عسكري باكستاني عليه لمعاداته للعسكر منذ البداية. ولكن يظل الاعتقاد السائد هو أن العملية السياسية أصبحت أفضل من السابق، وقد تأخذ منحى جديداً في ظل غياب لاعبين مهمين عن الصراع الانتخابي، ربما أهم عنوان للمرحلة المقبلة هو تحوّل الأحزاب السياسية إلى أن تكون أحزاباً إقليمية أكثر من أن تكون أحزاباً وطنية على مستوى الوطن كله.

الصراع الحقيقي اليوم هو بين حزبي نواز شريف وحزب الإنصاف بزعامة عمران خان، وكلاهما يعتمد على جمهور واحد، وهو الجمهور المحافظ الذي تتنافس عليه الأحزاب الإسلامية الأخرى أيضاً، مثل الجماعة الإسلامية وجمعية علماء الإسلام بزعامة مولانا فضل الرحمن، بينما حزب الشعب الباكستاني الذي يقوده بيلاول زرداري بوتو وهو نجل بي نظير فإنه سيتحول إلى أقرب ما يكون بحزب خاص بإقليم السند، في ظل غياب الشخصيات الكاريزمية القادرة على جمع شتاته على مستوى باكستان، بالإضافة إلى تنامي النزعة الإقليمية لدى الأقاليم الأربعة الرئيسية التي تشكل باكستان.

عصر السلالات العائلية في طريقه إلى الزوال أو التلاشي على ما يبدو، وسيظهر عصر جديد تغلب عليه الحكومات الائتلافية؛ لعجز أي من الأحزاب الرئيسة على تشكيل حكومة بمفردها. كما سيغلب على العصر الجديد اهتمام الحكومات الوطنية بالجانب الخدماتي الداخلي؛ فلم يعد الشارع الباكستاني معنياً كثيراً بالسياسة الخارجية، ولذا فإن مستشاراً سابقاً لرئيس الوزراء لشؤون الخارجية كان كافياً. وعليه، فإن الشارع الباكستاني اليوم سيقرر تصويته للأحزاب الباكستانية بحسب أدائها الخدماتي له.

لعل حزب الرابطة الإسلامية الحاكم اليوم أدرك ذلك فسارع إلى افتتاح مطار إسلام آباد الجديد قبل أوانه، ليظهر مدى الخدمات التي يقدّمها للمواطنين وبالتالي يكسب أصواتهم. وثمة مشروع ربما الأضخم من نوعه خلال المائة عام الماضية يجري في بيشاور، وهو إنشاء شبكة مترو تشق المدينة الضخمة والمترامية الأطراف من شرقها إلى غربها ثم يشقها عبر طرق فرعية، سيكون مشروعاً خدماتياً بامتياز في ظل الاختناقات المرورية التي تعاني منها المدينة التاريخية.

المشروع الأضخم وهو حديث المدن الباكستانية اليوم هو مشروع غوادر، والذي تبلغ كلفته 54 مليار دولار بالتعاون مع الصين ويربطها مع باكستان وبحر العرب، وميناء غوادر الاستراتيجي ليتم نقل البضائع الصينية عبر باكستان إلى العالم العربي وأوروبا، وشحن البترول العربي بالمقابل إلى مناطق سينكيانغ الصينية، ليوفر بذلك آلاف الكيلومترات عن الطرق القديمة. ولكن ما يقلق النخب الباكستانية اليوم هو حجم الديون التي قد تكبل المواطن الباكستاني بسبب هذه المشاريع الضخمة. ويبقى القول إن الانتخابات الباكستانية التي سيتجه المواطن للمشاركة فيها يوم الخامس والعشرين من الشهر المقبل فرصة يمارسها الباكستانيون ويحلم بها كثير من المواطنين العرب في ظل الفوضى التي فضلها الاستبداد العربي على الرضوخ لرغبة الشعوب.

محمد إقبال وسنة التجديد الماضية

بقلم: السنوسي محمد السنوسي
من أهم معالم حيوية الإسلام، ومن أكبر العلامات المشيرة إلى خلوده، وإلى قدرته على الانبعاث والتجدد حتى قيام الساعة- لأنه كلمة الله الأخيرة للبشرية- ما نراه من مجدِّدين في تاريخ الإسلام طولاً وعَرْضًا.. مجددين يَنبعِثون- أو بالأدق: يُبتعَثون ويُصطَفون- على فترات، كلما أصاب مسيرتَه غبش، وابتعد المسلمون عن جادته وهديه.. على النحو الذي قرره الحديث الشريف: “إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأمةِ، عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ، مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”.

وقد ذهب العلماء المحققون، ومنهم الحافظ ابن حجر، إلى أن من يقوم بالتجديد قد يكون فردًا، أو طائفة؛ بحيث يُسهم كلُّ فرد من هذه الطائفة في تحقيق التجديد في مجال ما، حسب قدرته ومهارته.

ولما كان الناس من شأنهم أن يستقيموا على الصراط والمنهج فترة من الزمن، ثم ينحرفوا فترة أخرى، وأن يهتدوا بنور الوحي ثم تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم؛ كانت سنة الله تعالى أن يبعث لهم الأنبياء والمرسلين، مبشِّرين ومنذرين، كلما طال بُعدهم عن الله، وقست قلوبهم.. حتى خُتمت مسيرة الأنبياء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا نبي بعده، ولا رسالة من السماء بعد رسالته.

ويلاحظ فيلسوف الإسلام وشاعره، محمد إقبال، أن خَتْمَ النبوة كان إيذانًا بأن يأخذ العقل مكانته في المسيرة البشرية. فما دام الوحي قد انقطع عن الأرض بختم النبوة، فليس أمام الإنسان إلا أن يُفعِّل عقله: فيما معه من منهج، وفيما سبقه من تاريخ، وفيما حوله من كون؛ فتجتمع له- حينئذٍ- ثلاثة محدِّدات، أو ثلاثة مصادر للمعرفة: المنهج الإلهي، والمنهج التاريخي، والمنهج التجريبي.. دون أن يتسلط على الإنسان أحد من الكهان، أو ممن يزعمون لأنفسهم سلطةً روحية مستمدّة من الله..

يقول إقبال: “ميلاد الإسلام هو ميلاد العقل الاستدلالي… ففي الإسلام تبلغ النبوة كمالَها باكتشافها لضرورة وضع نهاية لمسلسل النبوات؛ بحيث تكون هي النبوّة الخاتمة ولا نبوّة بعدها. وفي هذا الموقف يتجلّى الإدراك العميق: أن الحياة لا يمكن أن تظل إلى الأبد تقودها خيوط من خلفها، وأن على الإنسان لكي يحصل على كمال معرفته لنفسه أن يُترك أخيرًا ليعتمد على مصادره المعرفية الخاصة به”.

ويوضح إقبال أن “إبطالَ الإسلام للكهنوت، وللسلطات الوراثية الطاغية، ودعوةَ القرآن المستمرة لإِعمال العقل والتجربة، والتأكيدِ على النظر في الكون والتاريخ كمصدرَيْن للمعرفة الإنسانية؛ كل هذه جوانب مختلفة وثمار لفكرة عبقرية هي (ختام النبوة)”.

فإقبال هنا يجعل العقل- المهتدي بنور الوحي، وبسنن التاريخ، وبقوانين الكون- امتدادًا يقوم بوظيفة الأنبياء، الذين خُتموا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.. من حيث تذكير الناس بربهم بعد الغفلة، وإعادتهم إلى جادة الصواب بعد الانحراف، ووضعهم على الصراط بعد التيه.

ولعل ما خلص إليه إقبال وفصَّله، يتلاقى مع ما أشار إليه الإمام محمد عبده في كتابه القيم (رسالة التوحيد)، وهو يتحدث عن “وظيفة الرسل”؛ حيث قال: “تبين مِمَّا تقدم في حَاجَة العالَم الإنساني إلى الرُّسل، أَنهم [أي الرسل] من الأُمَم: بِمَنْزِلَة العُقُول من الأشخاص”.

وإذا كان محمد إقبال يعتبر أن العقل المؤمن الفاقِه لسنن التاريخ ومعادلات الكون- أو “الأنْفُس والآفاق” بالتعبير القرآني- هو ما يقوم مقام النبوات التي خُتمت بمحمد صلى الله عليه وسلم.. فيمكن لنا أن نقول: إن المجددين الذي يظهرون على مسرح التاريخ، هم من يقومون مقام الأنبياء؛ في دعوة الناس والعمل على هدايتهم ووَصْلِهم بربهم وبمنهجه.

فالعقل- بخصائصه الثلاثية كما أوضحنا- يقوم مقام النبوة؛ من حيث المنهج أو الدعوة.. والمجددون يقومون مقام الأنبياء؛ من حيث الوظيفة أو الداعي.

وبهذا يَظهر لنا أن الحاجة ماسَّةٌ دائمًا للمجددين، كما كانت حاجة البشرية دائمًا ماسَّةً للأنبياء والرسل.. وأن التجديد سنةٌ ماضية وحيويةٌ فاعلة، ما دامت مسيرة البشرية قائمة على التأرجح بين الاهتداء بنور الوحي تارة، والانزلاق في وهدة الشهوات والأهواء تارة أخرى.


كما يظهر أيضًا أن “التجديد” و”المجددون” من أهم معالمِ حيوية الإسلام، ومن العلاماتِ الكبرى المشيرة إلى خلوده، وإلى قدرته على الاستجابة للتحديات، وتلبية حاجات النفس الإنسانية.. وهذا ما يجعل الإسلامَ، ليس مجرد بديل من البدائل، بل هو البديل، كما يقول السفير الألماني المسلم مراد هوفمان. 

المصدر: إسلام أون لاين

لغز حرب الموانئ من جوادر إلى دبي وبندر عباس

د. أحمد موفق زيدان
حسم البيان العسكري الرسمي الباكستاني الذي أتى رداً على هجوم استهدف مركز التنمية الزراعية في جامعة بيشارو أخيرا، والتي أعلنت طالبان باكستان مسؤوليتها عنه بأن «المهاجمين يقومون بهذا العمل وعينهم الشريرة على المشروع الاقتصادي الصيني - الباكستاني في جوادر»، وهذا البيان من البيانات النادرة التي يتطرق فيها الجيش الباكستاني إلى علاقة العمليات الإرهابية بالمشروع الاقتصادي الطموح الذي يعملون عليه منذ سنوات، والذي يتوقع أن يكون رافعة اقتصادية وقفزة استثمارية ضخمة لباكستان، لكن بالمقابل سيكون على ما يبدو حرب موانئ حقيقية في المنطقة واستطالاتها على مستوى قوى دولية. بدأت اليوم صامتة وحرباً سرية وخفية، قد تنتقل إلى العلنية في أي وقت، نظراً لكثرة المتضررين من هذا الميناء الباكستاني الضخم، ونظراً لوظائفه المتعددة، فاليوم اقتصادية، وغداً قد تكون عسكرية تهدد بعض المصالح الإقليمية والدولية..

بداية ميناء جوادر الواقع على الضفة الأخرى للخليج في إقليم بلوشستان المضطرب بسبب التمرد البلوشي، والذي يطالب فيه المتمردون بحقوق وامتيازات انتقلت إلى المطالبة بالانفصال لدى البعض، هذا الميناء العُماني الأصل تم شراؤه في الخمسينيات من قبل باكستان، ويُعوّل عليه اقتصادياً وعسكرياً، أما الجانب الاقتصادي فسيكون نافذة باكستان والعالم على مناطق وسط آسيا المغلقة بحرياً، وبالطبع أفغانستان كونها البوابة إلى آسيا الوسطى، وعلى البعد الدولي فإن الميناء سيكون البوابة البحرية الأخرى للبضائع الصينية إلى الخليج وأوروبا بشكل عام، فضلاً عن استقبال الاحتياجات الصينية النفطية وغيرها من الميناء ثم نقلها براً عبر باكستان إلى مناطقها المسلمة في سينكيانغ «تركستان الشرقية»، وهو ما ينعش هذه المناطق المحرومة اقتصادياً، فضلاً عن أنه سيختصر مسافة ثلاثة آلاف كيلومترات حالية، كون التواصل الصيني مع الخليج يتم عبر مضيق مالقا والمحيط الهندي، وهو ما يقلل الأعباء الضرائبية لصالح شركات التأمين، بالإضافة للعبء الأمني بسب المخاوف التي تتهدد هذا الطريق بسبب القرصنة البحرية.

لكن ما دمنا نتحدث عن اللحاظ العسكري فإن دولاً إقليمية ستتضرر، وعلى رأسها إيران وميناءيها بندر عباس وتشاربهار، اللذان تنظر إليهما إيران على أنهما بديلان حقيقيان لجوادر في التواصل مع أفغانستان وآسيا الوسطى، وقد دشنت ذلك باستقبال بضائع هندية لنقلها إلى أفغانستان، بعد أن رفضت باكستان مرور هذه البضائع عبر أراضيها البرية القصيرة، وهو ما يخلق تهديداً اقتصادياً وأمنياً إيرانياً - هندياً حقيقياً لباكستان، دفع ذلك قائد الجيش الباكستاني لزيارة أخيراً إلى طهران، وفتحها هذا الملف، فإسلام آباد لديها أدلة ومعلومات كافية عن استخدام المخابرات الهندية للأراضي الإيرانية ضدها من أجل تقليص النفوذ الباكستاني في أفغانستان لصالح الهندي، وهو ما يتقاطع مع المصلحة الأميركية، الذي طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بصريح العبارة بالاعتماد على النفوذ الهندي في باكستان، وهو الأمر الذي ردت عليه باكستان عبر وزير خارجيتها ورئيس الوزراء خاقان عباسي الذي قال لبلومبرغ إن السياسة الأميركية محكوم عليها بالفشل في أفغانستان.

المثير للجدل أن من يعمل على نفس الاستراتيجية الإيرانية في حرمان باكستان من ميناء جوادر دولة الإمارات العربية المتحدة، كونها أحد المتضررين الاقتصاديين الكبار من مشروع جوادر العملاق والطموح، لكونه سيخطف الأضواء والتجارة من ميناءيها في جبل علي ودبي.


أما على الجانب العسكري فثمة خطر لدول إقليمية ودولية من مشروع جوادر، فالإقليمي تراه الهند بشكل مباشر وإيران بشكل غير مباشر، كونه سيوفر لباكستان ميناءً ضخماً بديلاً عن ميناء كراتشي، الذي أثبت خلال فترة الحروب مع الهند 1965 و1971 أنه يمكن محاصرته بشكل سلس وسهل من قبل البحرية الهندية، مما يعني محاصرة باكستان وقطعها عن العالم الخارجي، ولذا فإن ميناءً باكستانياً بديلاً سيضعف الاستراتيجية الهندية والإيرانية، ويمنح باكستان خيارات عسكرية واقتصادية إضافية، أما الخطر الدولي فيتمثل بالخطر على المصالح الأميركية، فهذا الميناء سيمنح الصين تواجداً عسكرياً منافساً للأميركيين المحتكرين والمستأثرين بأمن الخليج وأمن الطاقة.

السابقة الهندية - الباكستانية

بقلم: حازم صاغية
قبل 70 عاماً بالتمام استقلّت الهند عن بريطانيا. بدا ذلك حدثاً أسطورياً يومها: فالبلد القاريّ الذي هو «درة تاج» الإمبراطورية البريطانية أتيح له أن ينفصل عنها.

بالطبع باتت أسباب ذاك الحدث الضخم الأهمية معروفة جداً: ففضلاً عن قوة الحركة الوطنية الهندية وتماسكها الذي بدا يومذاك عابراً للأديان والمذاهب، كان التعب قد ألمّ ببريطانيا، سيّدة العالم القديم، في ظل الحرب العالمية الثانية وتضحياتها الباهظة. كذلك كانت الدعوة الاستقلالية قد انتشرت وعمّت في المستعمرات جميعاً. هكذا انطلقت عملية نزع الاستعمار لتتوسع في الخمسينيات ثمّ خصوصاً في الستينيات.

لكن الحدث الهائل الأهمية -استقلال الهند- ما لبث أن وُلد مترافقاً مع حدث لا يقل عنه أهمية: إنه الحرب الأهلية داخل شبه القارة الهندية نفسها بين الهندوس والمسلمين، والتي نجمت عنها ولادة دولة باكستان.

إذن، وفي ما بدا أشبه بالمفارقة يومذاك، اصطبغ استقلال الهند باحتراب شبه القارة وبانشطاره إلى دولتين متعاديتين! كذلك بدا غريباً لبعض العالم أن تنشأ دولة، هي باكستان، على أساس الدين. ذاك أن الفكرة الرائجة في تلك الحقبة كانت الفكرة القومية المتعلمنة والمؤسسة على اعتبارات كالمواطنة والثقافة واللغة والتاريخ، لكنْ حصراً لم يكن الدين في عداد هذه الاعتبارات.

بيد أن ما بدا مفارقاً وغريباً في 1947 لم يعد كذلك لاحقاً. ومرّة أخرى جاءت المفاجأة- المفارقة من شبه القارّة الهندية:

فدولة باكستان نفسها إنما تعرضت للانشقاق الذي لم تحل دونه وحدة الدين. ذاك أن البلد الذي نشأ على أساس التمايز عن الهندوسية الهندية ما لبث أن شهد في 1971 حرباً ضارية مع الهند نشأت بنتيجتها دولة بنغلاديش المسلمة أيضاً.

لكنْ منذ أواخر السبعينيات، باشرت سياسات الهوية صعودها على نطاق كونيّ، وهو ما لم يلبث أن اتخذ شكلاً صاروخياً.

هكذا لم يكن مصادفاً أن تشهد الهند في أواخر السبعينيات أول هزيمة انتخابية لحزب المؤتمر، حزب المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، الذي تولى قيادة البلد نحو الاستقلال ثم تأسيس الهند الحديثة. وفي الوقت نفسه، وأيضاً للمرة الأولى، حصد حزب العمل الإسرائيلي، وهو مؤسس الدولة العبرية وصانعها، هزيمته الانتخابية على يد ائتلاف ليكود القومي المتطرف بزعامة مناحيم بيغن.

لكن تسييس الدين انفجر على نحو صارخ، في أكثر من بلد. هذا ما رأيناه خصوصاً بين 1978 و1980. إيران، بزعامة آية الله الخميني، أعلنت ثورة دينية على الشاه انتهت بإقامة «جمهورية إسلامية» وحكم «ولاية الفقيه». بولندا، التي تأسست فيها نقابة «تضامن» العمالية المستقلة، تحركت ضد نظامها التابع لموسكو، بخليط وطني- ديني وبرعاية مباشرة من البابا الذي كان أول بولندي يشغل سدة الفاتيكان. أفغانستان كانت تعلن «الجهاد» ضد الغزاة الروس الذين جاؤوها لدعم النظام الشيوعي المتداعي في كابول.

بعد عام ونيف، نشبت الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات وكلّفت قرابة مليون قتيل، فيما بدا نافراً البُعدان المذهبي والقومي في الحرب هذه.

لكن إضعاف الدولة الحديثة والتمهيد للهويات الصغرى صدرا، في الفترة نفسها، عن مكان آخر من العالم. فما بين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات صعدت الثاتشرية في بريطانيا والريغانية في الولايات المتحدة الأميركية. وفضلاً عن التشدد في مواجهة الشيوعية والسوفييت، جمع بين هذين التيارين السياسيين والإيديولوجيين نزوعهما إلى تقليص الدولة والحدّ من وظائفها وخدماتها. ذاك أن «الدولة هي المشكلة» كما رأى رونالد ريغان، فيما «لا يوجد شيء اسمه المجتمع»، بحسب عبارة شهيرة لمارغريت ثاتشر.

وبسبب الخصخصة وانكماش الخدمات من جهة، وبدايات تفكّك الأنسجة الوطنية الجامعة من جهة أخرى، تعاظم الاحتماء بالولاءات والهويات الصغرى التي علمت العالم مفاهيم الدولة والمجتمع الواحدين.

فهل نكون نبالغ إذا قلنا إننا لا نزال نعيش في عالم رسمت الهند وباكستان معالمه الكبرى منذ ولادتهما في 1947؟


* نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية

ديمقراطية باكستان ستبقى

شهيد جاويد بركي
رئيس معهد السياسة العامة في لاهور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتبر كثيرون في الغرب القرار الصادر عن المحكمة العليا الباكستانية بإقالة رئيس الوزراء نواز شريف من منصبه -رغم حصوله على أغلبية مريحة في الجمعية الوطنية- علامة مشؤومة تشير إلى تجدد عدم الاستقرار السياسي، إن لم يكن العودة إلى الاستبداد. ولكن تاريخ باكستان السياسي يشير إلى خلاف ذلك.

الواقع أن باكستان اليوم لم تنشأ في أغسطس/آب 1947 عندما نالت استقلالها، بل في ديسمبر/كانون أول 1971 عندما انفصل القسم الشرقي من البلاد ليصبح بنغلاديش بعد حرب أهلية دموية. بعدئذ؛ حُكمَت باكستان كديمقراطية برلمانية، بقيادة رئيس الوزراء صاحب الكاريزما القوية ذو الفقار علي بوتو.

لكن اتهامات بتزوير كبير للأصوات في انتخابات 1977 تسببت في إثارة اضطرابات واسعة النطاق، ولم تسفر عن إسقاط بوتو (الذي أُعدِم في نهاية المطاف) فحسب، بل أدت أيضا إلى انقلاب عسكري. وتولى الجنرال محمد ضياء الحقالرئاسة عام 1978، وظل في منصبه حتى وفاته بعد عشر سنوات.

أدت وفاة ضياء الحق إلى جلب رئيسة وزراء مدنية منتخبة ديمقراطيا إلى السلطة؛ وهي بينظير بوتو (ابنة ذو الفقار علي بوتو) التي أصبحت أول امرأة تقود دولة ذات أغلبية مسلمة. ولكن فترة ولايتها الأولى اختُزِلَت عندما أقالها الرئيس -الذي انخرطت معه في صراع على السلطة- بموجب التعديل الثامن للدستور الذي صاغته المؤسسة العسكرية في باكستان، وسط ادعاءات بالفساد وسوء الإدارة.

بعد فترة وجيزة، تولى نواز شريف منصب رئيس الوزراء. وانتهت ولايته الأولى عام 1993، عندما استقال بضغوط من المؤسسة العسكرية. وقد مهد ذلك الطريق لعودة بوتو التي ظلت رئيسة للوزراء حتى 1996 عندما أقيلت مرة أخرى، ولكن هذه المرة بواسطة حزبها (حزب الشعب الباكستاني).

وفي 1997، كان عاد شريف مرة أخرى، ولكن مواجهته مع المؤسسة العسكرية ازدادت حِدة بمرور السنين، الأمر الذي أفضى إلى انقلاب آخر في 1999، وأعقب ذلك ثماني سنوات من الحكم العسكري بقيادة الجنرال برويز مشرف. وفي أغسطس/آب 2008، استقال مشرف بضغوط شعبية، وجلبت انتخابات جديدة إلى الرئاسة آصف زرداري (زوج بينظير بوتو التي اغتيلت قبيل ذلك في شهر ديسمبر/كانون الأول 2007).

وفي تجاهل للمتطلبات الدستورية؛ لم ينقل زرداري السلطة التنفيذية إلى رئيس وزرائه، وتوقّع -بدلا من ذلك- أن يتبع رئيسا الوزراء اللذان خدما في حكومته أوامرَه. وعملت سنوات ولاية زرداري الخمس على تعزيز النظام الرئاسي في باكستان. بيد أن هذا تغير مع إعادة انتخاب نواز شريف رئيسا للوزراء 2013، عندما استعيدت الديمقراطية البرلمانية بالكامل.

خلال السنوات الخمس والأربعين منذ الحرب الأهلية (عام 1971)؛ أمضت باكستان 24 سنة تحت حكم رئاسي، و21 سنة فقط كديمقراطية برلمانية. غير أن الوضع الحالي -الذي يتسم بقضاء مستقل، وصحافة حرة، ومجتمع مدني نشط، ومؤسسة عسكرية مطهرة- يحابي استمرار الحكم البرلماني، بصرف النظر عن إقالة نواز شريف.

والواقع أن مسار حكومة باكستان يبدو حتى الآن واعدا. فالآن يشغل شهيد خاقان عباسي (وزير البترول السابق الذي يتمتع بتعليم جيد ويُعَد مديرا بارعا)ـ منصب رئيس وزراء مؤقت. وقد يعني هذا أنه سيخدم لمدة 45 يوما، وهي فترة كافية لانتخاب شهباز شريف (شقيق نواز الأصغر) قائدا قادما لباكستان. أو ربما يظل عباسي في منصبه حتى الانتخابات العامة التي من المقرر أن تُعقَد في مايو/أيار 2018.

يعرض النهج الأخير مزايا سياسية فريدة؛ فقد عمل شهباز شريف ما يقارب عشر سنوات رئيسا لوزراء إقليم البنجاب، وهو معقل الحزب الحاكم (الرابطة الإسلامية الباكستانية) الذي سيظل تحت قيادة نواز. ويتعين عليه أن يفي ببعض الوعود قبل مغادرة هذا المنصب، بدءا بالحد من تخفيض الأحمال الكهربائية الذي يقوض الرفاهة الاقتصادية والشخصية، وخاصة خلال ما اعتُبِر العام الأكثر سخونة على الإطلاق في سجل الإقليم.

كما يحتاج إقليم البنجاب إلى بنية أساسية حضرية أفضل؛ ذلك أن عدد سكان المدن في باكستان ينمو بنحو 6% سنويا، مما يرفع الطلب على تحسين خدمات النقل، وإدارة المياه، والصرف الصحي، وجمع النفايات الصلبة، فضلا عن التعليم والخدمات الصحية. ويصدق هذا بشكل خاص على البنجاب، حيث ازداد عدد سكان الحضر بنحو 26% خلال 2001-2011.

وتعكف إدارة شريف الإقليمية بالفعل على معالجة هذه القضايا، ومن المتوقع أن تتحسن الأوضاع بشكل ملموس في الربيع. ولعل الإبقاء على شريف في البنجاب أفضل وسيلة لضمان سير الأمور وفقا للخطة، وبالتالي تمكين حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية من الاعتماد على دعم الناخبين القوي هناك في الانتخابات المقبلة.

ومن شأن هذه النتيجة أن تعزز استمرار النظام البرلماني في باكستان، وهو أمر بالغ الأهمية لبقية العالَم الإسلامي أيضا. ذلك أن الاستقرار الاجتماعي -الذي تتمتع به قِلة من الدول الإسلامية- يتطلب أنظمة سياسية مفتوحة، وشاملة، وتمثيلية.

ويصدق هذا بشكل خاص اليوم، حيث يبلغ متوسط العمر في الدول ذات الأغلبية المسلمة 25 عاما. والواقع أن 1.6 مليار شاب مسلم معرّضون الآن -بفضل التكنولوجيا- للعالم خارج حدود بلدانهم، ويميلون إلى تفضيل المزيد من الانفتاح والفرص.

ولا يخلو هذا من دروس للقوى الخارجية أيضا؛ فقد دعمت الولايات المتحدة لفترة طويلة الأنظمة الاستبدادية "الصديقة"، مثل نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وفي حين يبدو هذا وكأنه يخدم مصالح الولايات المتحدة؛ فإنه كفيل في نهاية المطاف بزعزعة الاستقرار، وإثارة العنف الاجتماعي الذي قد يمتد إلى منطقة مضطربة بالفعل.

لا شك أن النظام السياسي في باكستان واجه تحديات خطيرة في الماضي. ولكن لا ينبغي لإقالة شريف أن تُنذِر ضرورة بالعودة إلى عدم الاستقرار، أو الحكم العسكري. فعلى خُطى الهند، حيث نجح -بقدر معقول- نظام سياسي شامل في تعزيز السلام والاستقرار النسبيين لما يقارب سبعين عاما؛ يبدو أن باكستان لا تزال سائرة على الطريق نحو توطيد الديمقراطية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

بعد وفاة شريف سياسيا.. إلى أي مستقبل تتجه باكستان؟

رغم أن رئيس الوزراء الباكستاني المُقال نواز شريف (68 عاما) بدأ نجمه يظهر في الحياة السياسية الباكستانية قبل أكثر من ثلاثة عقود، شغل خلالها منصب رئيس الوزراء في بلاده ثلاث مرات؛ فإن الحقيقة تؤكد أنه رجل أعمال أكثر منه رجل سياسة، وقد أطاحت به أخيرا تهم -تتعلق بأمواله- من عالم السياسة إلى الأبد.

ميراث شريف
مع أن صفحة نواز شريف شخصيا قد طُويت بشكل كبير، إلا أن هناك صفحات كثيرة -تتعلق بحزبه الذي أخذ اسمه منه (الرابطة الإسلامية - ن) وبعموم الحياة السياسية الباكستانية- تظل مفتوحة على احتمالات شتى، تحتاج إلى قراءة من خلال فهم طبيعة الناخبين الباكستانيين وتركيبتهم الإقليمية والعمرية، والجديد الذي يحمله حزب عمران خان.

أما بالنسبة للحظة الراهنة للحزب الحاكم التي تسبق موعد الانتخابات البرلمانية القادمة بسنة كاملة؛ فإنها -وكذلك المستقبل- متوقفة على مدى قدرته على التماسك، ومساندة شخصية قوية منه لها ثقل في إقليم البنجاب لإدارة البلاد خلال المدة المتبقية.

فإن أثرت أزمة عزل رئيس الوزراء نواز شريف -كما هو متوقع- على حزبه تأثيرا سلبيا، في أجواء يمكن أن يتخللها كثير من الصفقات السياسية؛ فقد يتم اختيار شخصية لا حزبية تدير المرحلة، أو شخصية حزبية توافقية تستبعد الأقوياء، ومن المستبعد اختيار شخصية حزبية من خارج الحزب الحاكم لشغل المنصب الشاغر حاليا؛ نظرا لصعوبة حصولها على موافقة البرلمان، ولأن الزمن المتبقي على الانتخابات القادمة لا يستحق كل هذا العناء.

ولا بد من أن يكون معلوما أن عزل نواز شريف لا ينهي تأثيره في هذه المرحلة نهائيا، لكن الرجل يحتاج إلى كثير من الجهد للحفاظ على لُحمة حزبه من الانهيار تحت مطارق الأزمة ومستغليها المحتملين. وربما يقدم في هذا الصدد أخاه شهباز شريف رئيس الوزراء الإقليمي للبنجاب لرئاسة الوزراء، إلا أن حسابات هذا الأخير معقدة؛ نظرا لأن صدى تهم الفساد المالي التي حوكم على أساسها رئيس الوزراء المعزول تمس العائلة برمتها.

على أي حال، سيكون من أهم مهمات الحكومة القادمة أن تضمن الاستقرار السياسي في باكستان استعدادا للانتخابات القادمة، ومن مصلحة الحزب الحاكم -إن وقع الاختيار على شخصية منه لشغل منصب رئيس الوزراء- أن يسعى إلى تبييض وجه الحزب الذي سيظهر فيه من يطالب بالخلاص من كل ميراث آل شريف وتركتهم الثقيلة، وربما يسعى إلى توحيد جناحيْ "حزب الرابطة الإسلامية" التاريخي الذي تأسست الدولة على يديه.

أحلام عمران
إذا خرجنا عن نطاق "حزب الرابطة الإسلامية - ن" ("ن" نسبة إلى نواز شريف) فسنجد كثيرين ينتظرون جني ثمار الحدث الكبير الناتج عن قرار العزل الأخير؛ سواء في صورة انتخابات مبكرة لا تستبعدها الاحتمالات، أو في الانتخابات القادمة بعد منتصف عام 2018.

وأول هؤلاء لاعب الكريكت العالمي السابق عمران خان وحزبه "حركة إنصاف باكستان" (PTI)، فهو الذي قاد الحملة القضائية الشرسة ضد نواز شريف، وكان أشد المنافسين لحزبه في الانتخابات الماضية عام 2013، كما سعى -في تربص سياسي طويل المدى- إلى عزل شريف من قبل بتهمة تزوير الانتخابات المذكورة.

وحظوظ عمران خان وحزبه في الانتخابات القادمة غير منكورة، ما لم تؤثر عليه الدعوى القضائية المرفوعة ضده أمام المحكمة العليا بتهمة الفساد؛ خاصة في جو التراجع الحتمي في شعبية حزب الرابطة الإسلامية الحاكم، إلا أن ثمة حسابات خاصة بالواقع الباكستاني ينبغي وضعها في الحسبان هنا.

وتتمثل هذه الحسابات أولا في أن مؤيدي عمران طبقة عمرية أكثر منهم تكتلا سكانيا في إقليم بعينه، كما هو حال الحزبين الكبيرين (حزب الرابطة وحزب الشعب)؛ ولذا يتوزع مؤيدوه على أنحاء باكستان خاصة في المدن والحواضر الكبرى، متمثلين في الشباب الذي يأمل أن ينتقل ببلاده إلى وضع سياسي واقتصادي أكثر قوة واستقرارا، ويشعر بالتناقض في بلد نووي تبلغ فيه الفروق الاقتصادية والاجتماعية حدا قياسيا.

وماذا عن الكتل السكانية الكبرى في بلد يكاد عدد سكانه يلامس حد مئتيْ مليون وترتفع فيه نسبة الأمية إلى أكثر من 60%؟

هذه الكتل السكانية الضخمة -التي تعمر بها أعماق الأقاليم والأرياف الباكستانية- تمثل قواعد راسخة لأحزاب بعينها، وهو وضع يصعب تغييره جدا؛ لأنه خاضع لحسابات عرقية وإقليمية بنوية..

فالسيطرة الأولى في إقليم البنجاب -الذي يمثل سكانُه قريبا من نصف الشعب الباكستاني- لحزب الرابطة الإسلامية الحاكم، والذي شقه الرئيس الأسبق برويز مشرف إلى حزبين لتشتيت قدرة خصمه الألد نواز شريف، إلا أن سوء سمعة الجنرال السابق في الحكم أفشلت "حزب الرابطة الإسلامية - ق" ("ق" نسبة إلى الرمز التاريخي الباكستاني محمد علي جناح الملقب بـ"القائد الأعظم")، وحالت دون أن يكون حزبا ذا شأن.

وبالمثل يمثل إقليم السند -الذي يضم ربع سكان باكستان- قواعد حزب الشعب، الذي أنشأه رئيس الوزراء الراحل ذو الفقار علي بوتو قبل خمسين عاما.

وهذا في جملته يعني أن الظروف في أكبر إقليمين بالبلاد -من حيث عدد الناخبين- تعمل لصالح الحزبين الكبيرين، اللذين يتبادلان عادة حكم البلاد في غير نوبات الحكم العسكري، والأحوال الطارئة لا تؤثر كثيرا في هذه المسألة.

فقد فاز حزب الشعب بالحكومة في إقليم السند في انتخابات عام 2013، وشعبية الحزب آنذاك في أدنى مستوياتها بسبب خمس سنوات من حكم الرئيس السابق آصف علي زرداري، الذي تراجعت الأوضاع الاقتصادية لباكستان في عهده بشكل ملحوظ.

أين تكمن حظوظ عمران خان إذن؟ يعيش عمران خان حالة شبابية نادرة -رغم مقاربته في السن لغريمه نواز شريف- تستقطب إليه طوائف كبيرة من الشباب الباكستاني، والموقف الأخير الذي نتج عن عزل شريف قد يزيد شعبية عمران وسط هذه الشريحة السنية خاصة.

إلا أن خان يحتاج إلى استقطاب مزيد من الأسماء والشخصيات المهمة في السند والبنجاب وخيبر بختون خاه وغيرها، لتزيد حظوظه في اقتناص الحكومة المركزية وهو يغالب طبيعة الكُتَل الانتخابية في باكستان.

وبعيدا عن الاستطراد؛ يبدو خان وحزبه نموذجا لمحاولات الخروج من الاستقطاب الإقليمي الثنائي، أو الإقطاع السياسي -الذي تعيشه الحياة السياسية في باكستان منذ زمن- إلى بديل ثالث.

ونجاحه رهن بألا تبتلعه طبيعة التركيبة السكانية والسياسية لبلاده، التي تعيش إقطاعا اقتصاديا وسياسيا ودينيا بسبب تركز التجارة في بعض العائلات الكبرى، والسياسة في بعض الأحزاب، والدين في خريجي المدارس الدينية، ولا أحد يريد أن يتنازل عن سلطانه.

حزب الشعب
تتركز قواعد حزب الشعب في إقليم السند كما سبق، وقد حكم الحزب البلاد خمس سنوات عقب فوزه في انتخابات عام 2008 التي أعقبت اغتيال رئيسة الحزب بينظير بوتو، وقد كان لعملية الاغتيال الأليم تأثيرها الأكبر في ترجيح حظوظ الحزب على غيره في هذه الانتخابات، عقب انتهاء الحكم الدكتاتوري العسكري للجنرال مشرف.

لكن وكما هي العادة؛ لم تسعد باكستان باختيارها كثيرا، فدخلت البلاد في سلاسل من الأزمات السياسية والاقتصادية طوال السنوات الخمس اللاحقة، إلا أن الرئيس السابق زرداري استطاع إدارة المشهد حينئذ لصالحه باقتدار، فظل في منصبه إلى النهاية رغم ارتفاع أصوات كثيرة تطالب بمحاسبته بتهم الفساد؛ وذلك بمحافظته على توازنات مع أطراف العملية السياسية الباكستانية ومع قادة الجيش.

والحقيقة أن زرداري يفهم بعمق -وربما أكثر من غرمائه- طبيعة المشهد الباكستاني، ويعرف متى وكيف يظهر على مسرح الأحداث من خلال الإعلام أو غيره، ومتى يختفي في أعماق لندن وصخب دبي أو هدوئها، والمتوقَّع أن يبدأ في الظهور قريبا شيئا فشيئا، وخطته جاهزة للمنافسة الشرسة على التركة السياسية لنواز شريف.

سيستغل زرداري هذه المرة -كما تؤكد بوادر- الميراثَ السياسي المهم لأسرة زوجته الراحلة بينظير بوتو، وخاصة بدفع أكبر أبنائه من رئيسة الوزراء الراحلة بيلاوال بوتو زرداري، وهنا سيكون الصراع بينه وبين عمران خان وحزبه على شريحة الشباب الذين قد يروقهم تأييد شاب في مثل سنهم (29 عاما الآن)، كما أن الرئيس السابق سيحرص على كسب ما يستطيع من تركة الحزب الحاكم الحالي لترجيح أسهمه.


وقد يزيد من فرص حزب الشعب في قيادة الحياة السياسية الباكستانية -في مرحلتها القادمة- أن المحكمة العليا قد تفاجئنا بالحكم على عمران خان بحكم مماثل لما أصدرته على غريمه المعزول. وهو ما يعبر عنه البعض في الشارع الباكستاني الآن بأن الحكام الحقيقيون للبلاد (وهم جنرالات الجيش) بدؤوا سلسلة الإطاحة بالوجوه السياسية القديمة من حلبة الصراع السياسي تماما، وسيأتي الدور بعد شريف على آخرين.
-----------
المصدر: الجزيرة
الكاتب: نبيل الفولي
كاتب وباحث مصري

درس باكستان في مكافحة الفساد!

احمد ذيبان
باكستان لديها ما يكفي من المشكلات وهي دولة فقيرة، لكنها مع ذلك قدمت نموذجا حميدا في الشفافية وقوة القانون، وهذه من الحالات المحدودة في العالم الثالث، حيث تم عزل رئيس الوزراء نواز شريف -وهو سياسي مخضرم- من منصبه بقرار قضائي بتهم فساد، في قضية ما يعرف بـ «أوراق بنما»، بعد أن قالت لجنة تحقيق أن أسرته لم تستطع الكشف عن مصادر ثروتها الهائلة!

و«أوراق بنما» هذه، أحدثت هزة سياسية عنيفة في مختلف انحاء العالم، وهي تحقيق صحفي ضخم تضمن وثائق مسربة، نشره في نيسان–ابريل 2016 «الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين» ، أشار الى تورط «140» زعيما سياسيا عبر العالم، إضافة إلى أسماء بارزة في كرة القدم بينها ليونيل ميسي، بتهريب أموال من بلدانهم إلى ملاذات ضريبية.

وكان للأردن نصيب منها، حيث تضمنت الأوراق « 760» شخصا يقيمون على الأراضي الأردنية، جُلّهم من حملة الجنسية الأردنية، يساهمون في قرابة «3400» شركة أوف شور، مسجلة في ملاذات ضريبة آمنة، أبرزها جزر العذراء البريطانية، برأسمال مصرح يقدر بنحو 180مليون دولار أميركي، لكن لا حديث حول فتح تحقيقات في هذه الأوراق محليا!

حسب تصرحات نشرت مؤخرا لرئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد «محمد العلاف»، أن ما وصفه بالفساد الأصغر (الرشوة) في توسع، ويتمثل في الرشوة التي تتم لقاء تقديم الخدمة العامة، وهناك عشرون قطاعا حددتها الهيئة يمارس فيها هذا النوع من الفساد. وذهب أبعد من ذلك بالقول إن الهيئة ترى ضرورة إعادة النظر بحوالي 1200 تشريع، تتراوح بين قانون ونظام وتعليمات، ولازالت الثغرات والفجوات القانونية التي يستغلها البعض، وهم من ضعاف النفوس بمهارة.

وهذا الرقم الضخم من التشريعات المطلوب تعديلها، يشير الى أن الطريق لا يزال طويلا، لتحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الفساد، رغم كثرة الكلام عن مكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة !

الدول تتقدم في مختلف المجالات، بسلطة القانون وترسيخ العدالة، ولا يعيبنا الاشارة الى العدو في هذا الصدد، وفي الاسبوع الماضي أطلق سراح رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود أولمرت ، بعدما قضى سنة وأربعة أشهر في السجن لإدانته بالفساد، عندما كان رئيسا لبلدية القدس، واستقال أولمرت من منصب رئيس الوزراء في سبتمبر 2008، بعد أن طالبت الشرطة بتوجيه اتهامات له بالفساد. وانتشرت مؤخرا صورة له في المستشفى، يبدو فيها هزيلا وهو يرتدي ثوب المرضى ويأكل مستخدما أدوات بلاستيكية!

من النماذج التي لا تخلو من طرافة في مكافحة الفساد، ما أقدم عليه الحزب الحاكم في أوكرانيا، بعد ما عرف بـ «الثورة البرتقالية» عام 2014 ، حيث قام أعضاؤه ومناصروه برمي نواب ومسؤولين ، في حاويات القمامة في عدة مدن بسبب تورطهم في قضايا فساد، وتم نشر مقاطع فيديو توثق تلك العمليات تحت عنوان «التطهير بالقمامة»! ورغم ان تلك العمليات كانت تتم خارج القانون لكنها قوبلت بارتياح شعبي، بحجة أن الشعب ملّ الصبر، إذ لم يرالفاسدين في السجن!

وفي الصين لجأت السلطات عام 2015 الى أسلوب تحذير من الفساد، بتنظيم زيارات لمسؤولين حزبيين وحكوميين وأفراد عائلاتهم، الى السجون وقضاء يوم فيها، لاطلاعهم على أحوال زملاء سابقين لهم سجنوا، لتقاضيهم رشى أو إساءة استغلال سلطتهم.

الفساد من طبيعة البشر وينتشر في جميع دول العالم، فهو سلوك وثقافة يسهم في ترسيخهما بيئة اجتماعية وادارية وقانونية مريضة، وربما أكثر مظاهر الثقافة الاجتماعية، التي تؤشر على الفساد في مجتمعنا «الواسطة والمحسوبية»، بحيث أصبح الكثير من الناس يبحثون عن «واسطة «، لانجاز معاملات بسيطة وروتينية ! ولا يردع النزوع لممارسة الفساد غير المساءلة والمحاسبة، وفق القانون وبشفافية تامة يقتنع بها الرأي العام، ويلمس اجراءات عملية ورؤوساً فاسدة يطاح بها. ومشاهدة نماذج عملية على ذلك، أهم بكثير من «الثرثرة» لإقناع الناس بالجدية في مكافحة الفساد!

المصدر: صحيفة الرأي الأردنية
الكاتب: صحفي أردني

الكيان الصهيوني يخترق الهند

عبدالله الأيوبي
أكثر مما يمكن وصفه بالانتصار الدبلوماسي الجديد الذي يحققه الكيان الصهيوني على الساحة الدولية، فإنه يشكل إخفاقا وتراجعا عربيا جديدا على هذا المستوى. هذه بالطبع حقيقة ما يمثله قيام رئيس وزراء جمهورية الهند الصديقة ناريندرا مودي بتدشين أول زيارة على هذا المستوى لمسئول هندي لفلسطين المحتلة منذ قيام «إسرائيل» عام 1948 وعلى مدى أكثر من خمسة وعشرين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند والكيان الصهيوني، ليس هذا فحسب، بل ان الوفد الهندي العالي المستوى اقتصر زيارته على لقاء المسئولين الصهاينة ولم يتوجه إلى لقاء المسئولين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، كما هي العادة مع الزوار البارزين الذين يأتون لزيارة فلسطين المحتلة، حيث يحرصون على التقاء القادة الفلسطينيين كموقف سياسي من الصراع وإظهار شكل من أشكال الدعم أو التعاطف مع الموقف الفلسطيني، بل الأدهى من ذلك كله أن البيان المشترك الصادر عقب انتهاء الزيارة تجاهل ذكر حل الدولتين.

الهند تاريخيا تعد من الدول الصديقة والداعمة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، رغم ما يربطها من علاقات قوية مع الكيان الصهيوني، وخاصة في المجالات العلمية والعسكرية، حيث تشتري الهند أسلحة «إسرائيلية» بالمليارات من الدولارات، ومن السابق لأوانه اعتبار هذه الزيارة بمثابة تحول سياسي هندي من الصراع ومن موقف الهند التاريخي من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وخاصة حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، إلا أن العديد من المراقبين ينظرون إلى هذه الزيارة وعلى هذا المستوى، على أنها نقطة تحول في موقف الهند إزاء «إسرائيل».

فعلاقات الهند مع العالم العربي علاقات تاريخية ومتداخلة في المجالات كافة، ومنها بالدرجة الأولى المجال الاقتصادي وهناك عمالة هندية كبيرة جدا في كثير من البلدان العربية، وعلى مدى تاريخ الصراع العربي الصهيوني كانت المواقف الهندية داعمة باستمرار للجانب العربي وللحقوق المشروعة للشعوب العربية في مقدمتها الشعب الفلسطيني، ألم يكن جواهر لال نهرو أول رئيس لوزراء الهند شريكا للزعماء جمال عبدالناصر والرئيسين اليوغسلافي جوزيف تيتو والإندونيسي أحمد سوكارنو هم من أسسوا حركة عدم الانحياز ذات المواقف المشهود لها فيما يتعلق بالصراع العربي «الإسرائيلي»؟

لا نقول إن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة خسرت صديقا له وزنه على الساحة الدولية، فالهند تبقى صديقا للشعوب العربية ولم تغير موقفها المبدئي من حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ولكن مع تطور علاقاتها مع الكيان الصهيوني وفي مختلف المجالات، مع غياب الاهتمام العربي الكبير بالعلاقات مع الهند، فإن ذلك يصب في مصلحة الكيان الصهيوني على المدى البعيد، وهذا في حد ذاته يشكل خسارة للجانب العربي والفلسطيني بالدرجة الأولى. 

يجب الاعتراف بالحقيقة، وهي بكل تأكيد حقيقة مرة، فالكيان الصهيوني استطاع من خلال تحركاته السياسية والدبلوماسية النشطة وبدعم من حلفائه في الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية أن يكسر عديدا من الحواجز ويخترق كثيرا من الأٍسوار التي شيدتها الدول العربية من حوله، بل الأمر من ذلك أن هذا الكيان استطاع اختراق أسوار البيوت العربية ذاتها، فأقام علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية مع عديد من الدول العربية فيما الجهود متواصلة لاختراق مزيد من الأسوار العربية إلى جانب التحركات على إزاحة ما تبقى من أسوار دولية في وجه هذا الكيان.

فالكيان الصهيوني استخدم بجدارة ما لديه من إمكانيات، وطوع علاقات التحالف الأزلي الذي تربطه بالولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوربية من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو فك وتحطيم أطواق العزلة التي بنتها الدول العربية من حوله سنوات اشتداد الصراع بين الجانبين، شئنا أم أبينا، فإن ذلك يشكل نجاحا سياسيا ودبلوماسيا صهيونيا كبيرا ومهما، بل مؤثرا حتى على مجرى الصراع وعلى مسار ما يسمى عملية السلام مع الجانب الفلسطيني حيث التعنت «الإسرائيلي» يتصاعد كلما اتسعت دائرة علاقات الكيان الصهيوني الخارجية.

فالدعم التاريخي الكبير الذي تحظى به القضية الفلسطينية من جانب مختلف دول القارة الإفريقية ليس على المستوى الذي كان عليه من قبل، وهذا كله نتيجة نجاح الكيان الصهيوني في كسر العزلة التي فرضتها كثير من الدول الإفريقية عليه نتيجة النشاط والجهود الدبلوماسية والسياسية التي بذلتها الدول العربية في فترات سابقة، ولكن بعد التقاعس العربي وانشغال الدول العربية بصراعاتها الجانبية واتجاه بعضها لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وجدنا الدول الإفريقية واحدة تلو الأخرى تسعى لإعادة تنشيط علاقاتها مع الكيان الصهيوني.

فتراجع الدعم العربي، وأقصد هنا الدعم السياسي والدبلوماسي فقط، أسهم في إعطاء الكيان الصهيوني جرعات تنشيطية سهلت من مهمته في فك العزلة التي نجحت الدول العربية في فترة من الفترات في فرضها عبر تحركاتها السياسية مع العديد من دول العالم، وخاصة الدول الإفريقية والآسيوية، ومنها الهند على سبيل المثال، وهذا كله يشكل خسارة سياسية جديدة تلحق بالقضية الفلسطينية وتلقي بأعباء إضافية على كاهل النضال الوطني الفلسطيني، وهذا ما يؤكده تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ليس على المستويين الإقليمي والدولي فحسب وإنما على المستوى العربي أيضا.

المصدر: أخبار الخليج